رئيس التحرير
عصام كامل

رمضان.. حين تتحول العبادة إلى مظاهر وتغيب الحكمة

18 حجم الخط

لم يكن تنبيه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب إلى خطورة الإسراف والتبذير في موائد رمضان حديثًا عابرًا، بل جرس إنذارٍ أخلاقيًّا واجتماعيًّا يوقظ ضمير مجتمعٍ كاد يفقد المعنى الحقيقي للشهر الكريم. فالشهر الذي شرعه الله تهذيبًا للنفس، وكسرًا لشهوة الجسد، صار عند كثيرين موسمًا سنويًّا للإفراط في الطعام والإنفاق والسهر فيما لا ينفع.

 

رمضان لم يُفرض ليكون شهر امتلاء البطون، بل شهر امتلاء القلوب بالإيمان. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فجعل الغاية الكبرى هي التقوى، لا المائدة العامرة ولا السهرات الممتدة حتى الفجر. 

 

غير أن الواقع يكشف مفارقة مؤلمة؛ فقبل أذان المغرب تتحول البيوت والأسواق إلى سباقٍ استهلاكي، وتُعدّ من أصناف الطعام ما يفوق الحاجة أضعافًا، ثم ينتهي كثير منه إلى القمامة، في مشهد يناقض صريح قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.

 

لقد تبدلت فلسفة الصيام عند البعض؛ فبدل أن يكون تدريبًا على الصبر والشعور بالجائعين، أصبح تعويضًا شرهًا عمّا فات ساعات النهار. وغابت الحكمة النبوية التي لخّصها رسول الله ﷺ بقوله: «ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنه»، فإذا بالشهر الذي يُفترض أن يخفف سلطان الشهوة يتحول إلى موسمٍ لتكريسها.

 

ولا يقف الأمر عند حدود الطعام، بل يمتد إلى أنماط السهر واللهو والإفراط في متابعة الدراما والإنفاق الاستهلاكي، حتى صار الليل -الذي كان ميدان القيام وتلاوة القرآن- وقتًا لاستنزاف المال والوقت معًا. وهكذا تضيع نفحات الشهر بين ازدحام الشاشات وثقل الموائد، بينما تبهت روح الصيام التي تقوم أساسًا على الإحساس بالفقراء واستحضار معاناتهم.

 

إن الصائم الحقيقي لا يتذكر الجوع عند الإفطار فقط، بل يتذكر من لا يجد إفطارًا أصلًا. فالصيام مدرسة رحمة قبل أن يكون عبادة امتناع، ولذلك قال النبي ﷺ: «من فطّر صائمًا كان له مثل أجره»، في إشارة واضحة إلى أن روح رمضان تقوم على التكافل لا التفاخر.

 

دعوة الإمام الأكبر ليست موجهة للنساء وحدهن بقدر ما هي نداء للأسرة والمجتمع كله لإعادة ترتيب الأولويات: طعام يسد الحاجة لا يستنزف الموارد، سهر يحيي القلب لا يبدد العمر، وإنفاق يواسي المحتاج لا يرضي المباهاة الاجتماعية.

 

إن العودة إلى روح رمضان تعني الزهد دون حرمان، والاعتدال دون تشدد، والتراحم بدل الاستعراض. فربما يكون إصلاح علاقتنا بموائدنا بداية إصلاح علاقتنا بأنفسنا، وبمجتمع أنهكته المظاهر وغابت عنه المعاني.

لعلنا إن فهمنا الصيام كما أراده الله -جوعًا يهذب النفس، ورحمةً تمتد إلى الآخرين- ندرك أن رمضان ليس شهر استهلاك، بل فرصة سنوية لإعادة بناء الإنسان.. قلبًا وسلوكًا ووعيًا.

الجريدة الرسمية