رئيس التحرير
عصام كامل

حبال من مخلفات السفن.. حرفة عائلية تعيد الحياة لما ألقاه البحر.. محمد يواصل مهنة الأجداد رغم تغير الزمن.. وأصحاب التروسيكلات والمزارعون أبرز الزبائن (فيديو وصور)

صنعة الحبال
صنعة الحبال
18 حجم الخط

بداخل محل صغير متواضع تتجمع شتى الحبال القادمة من مخلفات السفن، في رحلة جديدة لإعادة تدويرها؛ فتتحول من حبال قديمة منسوجة من الألياف الطبيعية إلى حبال جديدة مختلفة السمك لتناسب الاحتياجات المتنوعة للسوق.

بتناسق وترابط يجلس محمد وأخوه أمام المحل، وسط الحبال الممدودة، وبتركيز شديد يفككانها، متلاحمان بمحبتهم لصنعتهم كما تمسك تلك الحبال البضائع بإحكام. فيعيدان فتل الحبال بشكل دقيق ومتين، كمتانة انسجامهما معًا ومع مهنتهما، يمارسانها منذ سنوات، وتعلمها جميع أفراد الأسرة؛ فهي تمثل حياتهم ومصدر رزقهم وذكرياتهم منذ أيام الطفولة حتى اليوم.

مراحل صناعة الحبال واستخدامها

تأتي الحبال من موانئ عديدة في الإسكندرية وبورسعيد والسويس، وهي المرحلة الأولى لصناعة الحبال، يتم تفكيكها وتجهيزها بمقاسات مختلفة، تتراوح بين السمك الرفيع والسمك الغليظ. ويحدد المشتري احتياجه من بين المقاسات المتوفرة، فيختار الأنسب له من بين أحجام الحبال المختلفة.

أما زبائن هذه الحرفة فهم العاملون في قطاع الزراعة، وكذلك العاملون في نقل البضائع عبر عربات النقل و"التروسيكل"، ويعد هذا القطاع الأكثر طلبًا للحبال بأحجامها المختلفة، إذ يعتمد عليها في ربط البضائع لتسليمها إلى مستقبليها.

ومن يرغب في الحصول على الحبال يتفق مباشرة مع أصحاب الحرفة على السعر والكمية التي يحتاجها، ويبيعها الحرفيون بالكيلو، ويُحدد السعر بناءً على نوع الخامة، سواء كانت من الدرجة الأولى أو الدرجة الثانية.

قصة التحاق محمد بالمهنة منذ نعومة أظافره

يعد محمد الجيل الرابع في هذه الحرفة؛ فقد حمل إرث أبيه وأجداده، وظل متمسكًا بعمله حتى بلغ 55 عامًا، ويعتبر أن استمراره في هذه المهنة طوال هذه السنوات دليل حي على صدق شغفه بها، فمنذ نعومة أظافره وخروجه إلى الحياة وجد نفسه في هذا المكان، يعمل إلى جوار أخيه. لكنه لا ينوي توريث المهنة لابنه، نظرًا لأن ابنه التحق بكلية التجارة.

تحديات صناعة الحبال

تعد أبرز التحديات التي تواجه أصحاب حرفة صناعة الحبال عدم تقدير الزبائن لجهدهم الفعلي؛ إذ يعتمد كثير منهم على منظورهم الخاص في تحديد القيمة المادية للحبال، لا على الجهد المبذول في صناعتها، فعلى الرغم من أن هذه المهنة تقوم أساسًا على الحرفة والإتقان، فإن أصحابها – وهم قلة – لا يجدون التقدير الكافي لمجهودهم. 

كما يفرض السوق سيطرته على الحرفي؛ فإذا زادت أسعار الخامات اضطر إلى العمل بالمصنعية وبيع الحبال بسعر التكلفة تقريبًا، محاولًا تحقيق توازن بين مكسبه وسعر المادة الخام، وهذا ما يمنع رفع السعر بشكل مبالغ فيه، إذ يظل مرتبطًا بنسبة تسعير محددة في السوق، الأمر الذي يجعله يصنع الحبال بقدر ما يُطلب منه فقط.

حرفة بسيطة.. لكنها أساسية

ورغم أن هذه الحرفة قد تبدو بسيطة، ودورها محدودًا وسط مراحل الزراعة والنقل، فإنها تمثل عنصرًا أساسيًا لا غنى عنه، فالتقدير لها غالبًا ما يغيب، ويكاد يكون دورها غير مرئي في ظل الأضواء المسلطة على العمليات الكبرى. 

لكن الحقيقة أن هذه الحبال المتينة، التي تُصنع بدقة وبجهد كبير، هي التي تضمن نقل البضائع بشكل آمن وسلس، فبدونها سيواجه كثيرون صعوبة في نقل ما يحتاجونه، وهو ما يبرز أهمية هذا العمل الذي قد لا يلاحظه الكثيرون، رغم ضرورته القصوى في تسهيل حركة النقل وحياة الناس اليومية.

الجريدة الرسمية