رئيس التحرير
عصام كامل

الذمة المالية للوزراء!

18 حجم الخط

في مثل هذا الشهر من العام الماضي، بدأ جهاز الكسب غير المشروع في تلقي إقرارات الذمة المالية السنوي لوزراء حكومة الدكتور مصطفى مدبولي وفق القانون، حيث يخضع رئيس مجلس الوزراء والوزراء في مصر لأحكام قانون الكسب غير المشروع رقم 62 لسنة 1975 وتعديلاته، والذي يلزم القائمين بأعباء السلطة العامة بتقديم إقرارات ذمة مالية دورية.


وتنص المادة 11 من اللائحة التنفيذية للقانون على أن تقوم إدارة الكسب غير المشروع بالإعلان عن مواعيد تحرير الإقرارات خلال شهري نوفمبر وديسمبر من كل عام، وتتلقاها خلال شهري فبراير ومارس من كل عام.


ورغم أن ذلك يجري قانونًا دون علم العامة بما فيه باعتبارها معلومات شخصية، إلا أن أحدًا لا يعرف على وجه الدقة طريقة فحص هذه الإقرارات، وهل يجري تدقيقها والبحث في أصولها وجذورها وجمع معلومات من أجهزة بعينها للوقوف على دقتها وصحتها؟


ماذا لو أن وزيرًا باع فيلا مثلًا بمبلغ وقدره خمسمائة ألف دولار، وطلب من المشتري تحويل المبلغ إلى حساب بنكي في دولة أوروبية مثل اليونان أو غيرها من الدول الأجنبية، هل تعرف أجهزة الدولة مثل هذه المعلومات؟ وهل يجوز لوزير في الحكومة أن يكون لديه حساب في دولة أجنبية؟!


أعتقد أن فكرة أن يكون لك حساب في دولة أوروبية هي مسألة غير مجرّمة في القانون باعتبارها حرية شخصية، ولكن السؤال يدور حول الفكرة الأخلاقية، إذ إن ذلك يعني أن وزيرًا في حكومة مصر يضع أمواله في مصارف خارج حدود الوطن دون حاجة لذلك إلا التخفي أو إخفاء معلومات بعينها.


يجوز لرجل الأعمال أن تكون لديه حسابات في بنوك "برة"، وذلك بدعوى استخدامها في نشاطه الذي قد يلجأ إليه في مشروعات أو تمويلات أو شراء مواد خام أو استخدامها في استيراد أو تصدير أو ما إلى ذلك من أنشطة قد تسهل عليه سريان نشاطه الاقتصادي بهدوء وحرية.


والسؤال: هل يجوز أخلاقيًا لوزير في الحكومة أن يكون لديه حسابات في بنوك خارج حدود الوطن وينقل إليها أمواله من تجارة أو بيع عقار أو أي نشاط آخر، وإذا كان له هذا الحساب قبل توليه منصبه أو قبل أن يصبح قائمًا بأعباء السلطة العامة فما هو الموقف من ذلك؟


وماذا لو أن مسئولًا لديه أموال في بورصة لندن مثلًا ويمارس نشاطه عبر وسطاء على أسهمه فيها، هل يتعارض ذلك مع موقعه الوزاري أو الحكومي؟ هل يمكن أن تتقاطع بعض المعلومات المهمة تحت سيطرة المسئول ويمكن استغلالها في مثل هذا الأمر؟


ورغم أن البعض ينظر إلى المنصب الوزاري في مصر باعتباره عبئًا لا يجني من ورائه شيئًا إلا المعاناة والتعب وتحمل المسئولية، إلا أن الكثيرين يحلمون بهذا المنصب بل ويسعون إليه وعلى استعداد لفعل أي شيء مقابل الوصول إليه والعمل من أجله بما في ذلك من رجال أعمال، وقد حدث ذلك في عهود وعصور مضت.


والمثير أن الوزراء الذين سقطوا في مستنقع الفساد المالي والتورط في قضايا لها علاقة بوظائفهم وصدرت ضدهم أحكام قضائية، لم يكن ذلك بسبب تباين في المعلومات الواردة في إقرارات الذمة المالية الخاصة بهم. إن معظم من تورطوا ألقي القبض عليهم وفق معلومات ورقابة وتسجيلات، بل إن بعضهم ألقي القبض عليه متلبسًا.


وتظل الاستفهامات الخاصة بقانون الكسب غير المشروع كما لو كان حبرًا على ورق، إذ ليس من المتصور أن يرتكب متحمل أعباء السلطة العامة مخالفات ويضع حصيلة ذلك في حساباته أو حسابات أولاده أو أقربائه، وبالطبع هذا لا يعني إلغاء القانون أو أنه قانون بلا فائدة.

وما أقوله ليس إلا دردشة حول إقرارات الذمة المالية التي تنطبق مثلًا على أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وهو أمر يحتاج إلى حكمة في التطبيق، إذ إن بعض أعضاء المجالس النيابية تاريخيًا تورطوا علنًا في أنشطة تجارية وصفقات كبيرة بما فيها صفقات مع الحكومات المتعاقبة نفسها.

الجريدة الرسمية