رئيس التحرير
عصام كامل

حين اختار السماء طريقا، الكنيسة تحيي ذكرى نياحة أنبا بولا أول السواح

الكنيسة الأرثوذكسية،
الكنيسة الأرثوذكسية، فيتو
18 حجم الخط

تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديس أنبا بولا، المعروف بأول السواح، أحد أعمدة الحياة النسكية في التاريخ المسيحي، والذي تنيح في عام 341 ميلادية بعد مسيرة روحية فريدة امتدت لعقود طويلة في البرية.

 

أعماق البرية

ويعد القديس أنبا بولا نموذجًا متفردًا للتجرد والزهد، إذ نشأ بمدينة الإسكندرية، وترك حياة الثراء عقب خلاف مع شقيقه حول الميراث، بعدما تأمل مشهد جنازة أحد أغنياء المدينة، ليقرر التخلي عن متاع الدنيا والانطلاق في رحلة بحث روحي انتهت به إلى أعماق البرية.

 

وبحسب ما ترويه كتب السنكسار، عاش القديس أنبا بولا سبعين عامًا في البرية الشرقية الداخلية، لم يعاين خلالها إنسانا، مكتفيا بالصلاة والتأمل، وكان غذاؤه اليومي نصف خبزة يرسلها الله إليه بواسطة غراب، بينما ارتدى ثوبًا من ليف علامة على نسكه الكامل.

 

وعندما شاء الله إعلان قداسته، أُرسل ملاك إلى القديس أنبا أنطونيوس الكبير ليخبره بوجود إنسان في البرية “لا يستحق العالم أن تطأ قدماه أرضه”، فخرج أنطونيوس ليلتقي به، في لقاء روحي فارق، شهد إرسال خبزة كاملة بدل النصف، كعلامة على الشركة والمحبة.

 

وقبل نياحته، أوصى القديس أنبا بولا بأن يُكفَّن بالحلة التي كان الإمبراطور قسطنطين قد أهداها للبابا أثناسيوس الرسولي، وبعد انتقاله، شهد أنبا أنطونيوس مشهد صعود روحه محمولة بأيدي الملائكة، قبل أن يوارى جسده الطاهر بمعاونة أسدين قيل إنهما أُرسلا لحفر القبر.

 

وتؤكد الروايات الكنسية أن الله لم يشأ إظهار موضع جسد القديس، بعدما ظهر في رؤيا للبابا أثناسيوس، معلنًا عدم إرادته لذلك، فيما ظل ثوب الليف الخاص به محفوظًا، وكان يرتديه البطريرك ثلاث مرات سنويًا، وارتبط بمعجزة إحياء ميت، انتشر صيتها في مصر والإسكندرية.

 

وتأتي هذه الذكرى لتجدد في وجدان الكنيسة معاني الزهد والتسليم الكامل، وتستحضر سيرة قديس اختار الصمت والبرية، فصار صوته حيًا في ذاكرة الإيمان عبر القرون.

الجريدة الرسمية