رئيس التحرير
عصام كامل

فضائح إبستين والنخبة العالمية.. نيوزويك: التسريبات فضحت انهيار العدالة الأمريكية.. الاقتراب من دوائر المال وأجهزة الاستخبارات مظلة للحماية.. وتبريرات اليسار واليمين مهدت طريق ترامب وسط عجز شعبي

متظاهر يحمل لافتة
متظاهر يحمل لافتة عليها صور فوتوغرافية لترامب وإبستين
18 حجم الخط

مع كل تسريب جديد لوثائق الملياردير الأمريكي المنتحر جيفري إبستين والفضائح الجنسية لنخبته من قادة العالم، تتدفق ملايين الصفحات المحملة بتفاصيل صادمة وأسماء متشابكة، بحجم يفوق قدرة أي فرد على الاستيعاب، لينتهي الأمر بحالة من العجز والشلل بحثا عن عدالة لن تحققها لقطة سينمائية عابرة!

فعلى الرغم من حجم الانحطاط الأخلاقي الذي كشفته وثائق إبستين الجنسية التي طالت صناع السياسة والمال حول العالم، إلا أن أخطر ما كشفته تلك الوثائق هو غياب العدالة في الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي السياق، نشرت مجلة "نيوزويك" الأمريكية مقالا لمدير قسم الإذاعة والبودكاست في المجلة جيسي إدواردز، قال فيه: "يدرك أغلب الأمريكيين اليوم أن هناك نظامين للعدالة في الولايات المتحدة، أحدهما لعامة الناس، والآخر لمن يتحركون بالقرب من فلك المال، والسلطة، وأجهزة الاستخبارات، والمؤسسات النافذة؛ حيث إن فضائح إبستين لم تكشف مؤامرة سرية بقدر ما كشف مخططا هرميا لسلطة غير معنية بمعاقبة من يجلسون في قمة ذلك الهرم".

يضيف إدواردز: هذا السياق مهم، لأنه يحدد الموقع الذي يقف فيه دونالد ترامب اليوم، ليس كحالة شاذة، بل كنتيجة منطقية لانهيار مؤسسي وثقافي طويل الأمد؛ إذ اتسمت فترة حكم ترامب بالفوضى والأذى الذاتي، وتراكم مستمر للأعباء التي تحول كل حجة مشروعة إلى مستنقع يفقدها المصداقية.

ترامب لم يظهر من فراغ

وبحسب الكاتب، فإن ترامب لم يظهر من فراغ؛ حيث يتحمل اليسار الأمريكي مسؤولية حقيقية عن خلق الظروف التي جعلت ظهوره ممكنا؛ فقد خلقت سنوات الوعظ الأخلاقي "الواعي"، والتشهير العلني، وحملات الإلغاء، واختبارات النقاء الأيديولوجي، بيئة سياسية أصبح فيها التسامح استعراضا شكليا في أحسن الأحوال، لقد ظهر ترامب بوصفه أداة انتقام، وهي أداة غليظة وجهت إلى نظام اختبره كثير من الأمريكيين بوصفه نظاما متعجرفا، وعقابيا، ومعاديا للاختلاف والأمر نفسه بالنسبة لليمين، والذي اختار التخلي عن قناعاته السابقة بأن الغايات لا تبرر الوسائل.

المحافظون وضعوا الأخلاق جانبا لخدمة مصالحهم

ويتابع: أمضى المحافظون عقودا وهم يقولون إن الأخلاق مهمة، وإن ضبط النفس مهم، وإن المؤسسات مهمة وعلى الرغم من أن ترامب يشكل خطرا أخلاقيا ومؤسسيا، إلا أنهم تجاهلوا ذلك كله في مشهد لم يفضح نفاق اليسار، وإنما أفرغ اليمين الأمريكي من الداخل.

يقول إدواردز: المشكلة الأعمق تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من ترامب، لقد انهارت المساءلة في واشنطن لأن حروب الثقافة أصبحت أفضل وسيلة إلهاء، فبينما يتقاتل الأمريكيون حول اللغة والرموز والغضب الاستعراضي، تحمي السلطة نفسها، وبينما ينقسم الناخبون إلى قبائل ويبررون سلوكا كانوا سيدينونه في أي سياق آخر، تصطف النخب للدفاع عن ذاتها، ويبقى النظام على حاله، بينما يصبح الغضب الأمريكي مجرد تعبير لا يرقى إلى عواقب حقيقية.

انهيار المساءلة في واشنطن

لهذا يشعر كثيرون في الولايات المتحدة بأنهم محاصرون؛ حيث يطلب منهم كل بضع سنوات التصويت لـ"الشر الأقل"، بينما تبقى الطبقة الدائمة في مأمن من المحاسبة، بحسب المقال.

ويستطرد الكاتب قائلا: إذا أراد الأمريكيون محاسبة حقيقية، يجب عليهم التخلي عن فكرة تبرير السلوك لمجرد أنه يخدم أهداف فريقهم على المدى القصير؛ وعدم دعم الشخصيات التي تدمر الشرعية على المدى الطويل؛ وقبول الخسارة في الوقت الحالي بدلا من الدخول في تطبيع مع الانحطاط الذهني الذي يتطور يوما بعد يوم حتى يصبح من المستحيل احتواءه مستقبلا.

قصة إبستين لن تنتهي بلحظة سينمائية يقتص فيها للعدالة 

يقول إدواردز: ملحمة إبستين لن تنتهي بلحظة سينمائية يقتص فيها للعدالة. هذا لا يحدث أبدا. ولن تعترف كل الألسنة دفعة واحدة بالخطأ؛ بل سيعلو صوت الصمت. وعندما يحين ذلك الوقت، لن يكون السؤال ما إذا كان ترامب سيئا أم لا، فهذا الجدل انتهى بالفعل. بل سيكون السؤال الحقيقي هو: هل تعلم الأمريكيون شيئا من مشاهدة السلطة وهي تحمي نفسها بينما كان الأمريكيون يتقاتلون نيابة عنها؟

ويختتم الكاتب مقاله بالقول: إذا أردنا محاسبة حقيقية، فلا يمكن أن نبدأ بأعدائنا، بل علينا البدء بأنفسنا، وإلا سنواصل إنتاج نفس نوعية القادة، ونقنع أنفسنا بأننا لم نملك خيارا، ونتظاهر بالدهشة عندما يبقى كل شيء على حاله.

الجريدة الرسمية