رئيس التحرير
عصام كامل

في بيتنا قاتل

18 حجم الخط

في كل مرة فتحت فيها ملفا جنائيا، أو قرأت سيرة قاتل، لم أكن أبحث عن تفاصيل الجريمة بقدر ما كنت أبحث عن الإنسان الذي سبقها.. عن اللحظة التي لم توثق، والجرح الذي لم يره أحد، والصوت الذي ظل يصرخ في الداخل حتى تحول إلى فعل دموي في الخارج.


بحكم اهتمامي بعلم الجريمة، اطلعت على عشرات، بل مئات الحالات لقتلة ارتكبوا جرائمهم عن عمد، لا بدافع الصدفة، ولا نتيجة شجار عابر أو انفجار لحظي، وما لفت انتباهي وما تكرر بإلحاح مخيف، أن هناك خيطا نفسيا مشتركا يربط أغلب هذه الجرائم.. حالة نفسية مضطربة.. مهملة أو منكورة، تركت تنمو في الظل حتى صارت وحشا.


القتل ليس قرارا يتخذ فجأة، إنه غالبا نتيجة تراكم طويل.. خوف مزمن.. غضب مكبوت.. شعور بالدونية.. هوس أو اضطراب لم يجد من يسمعه أو يعالجه.. في علم الجريمة نعلم أن كثيرا من القتلة لم يولدوا مجرمين، بل عاشوا سنوات وهم يطلبون النجدة بلغة لم يفهمها أحد. بعضهم حاول أن يطلب المساعدة، وبعضهم خاف، وبعضهم أقنع أن ما يشعر به دلع أو  ضعف إيمان أو عيب.


وهنا نصل إلى جوهر المشكلة في مجتمعاتنا.. نحن لا نأخذ الحالة النفسية على محمل الجد. نراها ترفا أو وصمة أو فضيحة.. الذهاب إلى طبيب نفسي ليس فعل شجاعة، بل دليل جنون في نظر كثيرين، الاعتراف بالاضطراب النفسي ليس خطوة للعلاج، بل حكما اجتماعيا بالإدانة والعزل.

 

وهكذا بدل أن نعالج الجرح نغطيه بقطعة قماش مهترئة ونطلب من صاحبه أن يتماسك، هذا الإهمال لا يختفي..هو يتخمر ويتعفن في الداخل ويتحول إلى قسوة أو عدوانية أو انفصال عن الواقع، ومع الوقت قد يجد طريقه إلى جريمة.. جريمة لا يكون ضحيتها شخصا واحدا فقط، بل مجتمعا بأكمله.. ضحية قتلت وأسرة دمرت وجاني ضاع إلى الأبد.


الطب النفسي ليس رفاهية وليس تهمة وليس بديلا عن الدين أو القيم، إنما هو علم مثل أي علم آخر يعالج خللا حقيقيا في كيمياء التفكير والمشاعر والسلوك، وحين نهمل هذا العلم نحن لا نوفر الأخلاق بل نؤجل الكارثة، وحين نسخر من العلاج النفسي نحن لا نحمي المجتمع بل نتركه مكشوفا أمام أخطر الجرائم.

أكبر جريمة لا تبدأ بالسكين أو الرصاصة لكن تبدأ حين نقنع إنسانا متألما أن يصمت وأن يخجل وأن يعالج نفسه بنفسه، بينما هو يغرق، إن تقليلنا من شأن الصحة النفسية ليس خطأ ثقافيا بسيطا، بل مسؤولية غير مباشرة عن كثير من الجرائم التي كان يمكن منعها.

ربما لو تعلمنا أن نسأل.. كيف حالك نفسيا؟ ربما لو جعلنا العلاج النفسي حقا لا عيبا، ربما لو أنقذنا العقل قبل أن ينفلت، لقلت الدماء التي نندهش منها لاحقا ونسأل.. لماذا حدث هذا؟ الإجابة -في الغالب- كانت هناك منذ البداية.. ولم نرد أن نراها.

الجريدة الرسمية