دراويش الحكومة.. الصوفية تعود إلى الواجهة برعاية رسمية.. خبراء: الطريق الآمن لاحتواء الإسلام السياسي.. وفد رسمي للاحتفال بالسيد البدوي يفتح باب التساؤلات حول مستقبل “أصحاب الطرق"
لا يتوقف الضجيج المتصاعد حول تجديد الخطاب الديني، ورغم نجاح مصر في تحجيم خطر تيارات الإسلام السياسي إلى حد كبير، لكنها تدرك جيدا أهمية الدين للمصريين، لذا فتحت الباب خلال السنوات الماضية لتيار ظن كثيرون أنه انتهى منذ زمن طويل «باب التصوف» حيث لمعت الصوفية بشدة، ولم تعد الزوايا والمواسم والمواكب مشهدًا تراثيًا فقط، بل تحولت تدريجيًا إلى أحد عناوين السياسة الدينية في مصر وبرز ذلك في حالة الجدل التي صاحبت الاحتفال بمولد السيد البدوي الذي حضره مسؤولون رسميون مثل وزير الأوقاف والمفتي وغيرهم.
يعرف رواد البحوث الاجتماعية في العالم أهمية الصوفية وجذورها في مصر، حيث يرصد الكاتب الأمريكي جون فول التدين الشعبي في مصر الحديثة، من خلال دراسة هامة تحمل نفس العنوان، ويعتبر الصوفية تمثل عمق الوجدان المصري الذي تلجأ إليه الدولة كلما احتاجت أن تذكر نفسها بوجهها المتسامح.
وحسب خبراء، بدا واضحا خلال السنوات الماضية، أن الدولة ترغب في «تدين هادئ» يمنحها غطاءً روحيًا في مواجهة تيارات العنف، لذا تعود الطرق الصوفية إلى الواجهة كخيار آمن ومستقر، ووفقا للباحث إريك جيوفروا، في كتابه الصوفية في العالم المعاصر، هذا الاتجاه يعبر عن التحالف بين الروح والدولة، حين تشتد الحاجة إلى خطاب مطمئن يعيد للنفس توازنها بعد عصور الصراع.
وبالعودة للخلف نكتشف أن الصوفية في مصر ليست هامشًا، من عبد الوهاب الشعراني إلى إبراهيم الدسوقي، امتزجت المدارس الصوفية الدين بالفن والإنشاد والوجدان، كما يقول المؤرخ نيكولاس ميير في كتابه تصوف القاهرة الحديثة، فالعاصمة لم تكن لتحتفظ بروحها الدينية لولا الطرق الصوفية التي ظلت تغذي شرايين المدينة بالسكينة رغم تقلبات السياسة.
وفقا لـ ميير مع كل نظام سياسي، ظلت العلاقة بين الدولة والتصوف تتأرجح بين الاحتواء والتحالف، ففي عهد محمد علي، حوصرت الزوايا لصالح المركزية الدينية، أما عبدالناصر فقد أبقى عليها ضمن حدود الثقافة الشعبية، ثم عادت لتتنفس في عهد السادات الذي سمح ببعض استقلالها، لكن اللحظة الأوضح كانت بعد 2013، حين أدركت الدولة أن الصراع مع الإسلام السياسي لن يحسم فقط بالقبضة الأمنية، بل بخطاب روحي مضاد.
تقول دراسة صادرة عن معهد دراسات الشرق الأوسط في برلين عام 2019، إن الطرق الصوفية هي أحد محاور مواجهة الإسلام السياسي، وتعتبر أداة لبناء التدين الوطني المعتدل، فالصوفية تمتلك ما يزيد على 15 مليون مريد في مصر، أي قاعدة شعبية ضخمة يمكن توجيهها نحو خطاب الاستقرار.
ومن هنا جاءت مظاهر الدعم الرسمي، في حضور وزراء ومحافظين لمواسم الأولياء، وبث التغطيات الإعلامية الموسعة، واستعادة رموز التصوف في الخطاب الثقافي، كما حدث مؤخرا في مولد السيد البدوي؛ فالرهان على الصوفية هو رهان على السلام الاجتماعي أكثر منه على الدين نفسه، وهي قراءة تلخص بدقة سبب احتفاء الدولة بها.
لكن هذا الرهان، كما يرى جمال بوقرابة في دراسته عن الصوفية والسياسة في مصر الحديثة، يحمل مفارقة دقيقة، فكلما اقترب التصوف من السلطة، فقد بعضًا من صدقه الروحي، إلا أن الدولة من منظورها، تراه وسيلة للحفاظ على الإسلام الشعبي في مواجهة التدين العقائدي الجامد.
وعلى الجانب الاجتماعي، يرصد الباحثون إقبال الجيل الجديد من الشباب المصريين على تجارب روحانية خفيفة بعيدًا عن الصراع الديني ـ السياسي، حيث يجد في المجالس الصوفية لغة تتحدث عن الإنسان لا عن العقيدة، ويعتبرها الكثير من الشباب ملاذ نفسي من الاضطراب.
ومن اللافت أيضا أن الاحتفاء بالصوفية يتزامن مع رغبة الدولة في تثبيت مفهوم «الإسلام المصري». وفي إحدى لقاءاته أشار شيخ الأزهر إلى أهمية تجديد التصوف ليكون طاقة للرحمة، وهي العبارة التي اعتبرها بعض الباحثين بمثابة اعتراف رسمي بدور التصوف كمكون أساسي من مكونات الهوية الدينية الوطنية.
ومع أن التجربة تبدو ناجحة على المدى القصير، إلا أن بعض المفكرين يحذّرون من تسييس الروح، كما سماه الكاتب المغربي عبدالحق العروي، فحين تصبح الزاوية مؤسسة تابعة، تفقد التصوف قدرته على النقد الداخلي.
ورغم كل التحذيرات من الانخراط في السياسة، يبقى للمشهد المصري خصوصيته، فالصوفية هنا ليست خطابًا رسميًا بحتًا، بل ثقافة تمتد من إنشاد النقشبندية في الدلتا إلى موالد الأحمدي والحسين في قلب القاهرة، صيغة دينية متصالحة مع الحياة، وكما كتب مالك بن نبي، فالصوفي المصري لا يهرب من الدنيا، بل يراها تجليًا للرحمة، والتصوف بالنسبة له دور روحي إنساني يتجاوز الصراعات السياسية بأبعادها الضيقة.
يمكن القول إن رواج الصوفية اليوم إحياء للوجدان الوطني من باب الروح، فالدولة لا تبحث فقط عن تدين آمن، بل عن معنى روحي يربط المصريين بذواتهم وتاريخهم، حيث تتحول الصوفية إلى مشروع هوية أكثر منها مشروع دين، يذكر المصري بأن الإيمان ليس صراخًا في الميكروفون، بل طمأنينة في القلب.
وهكذا تعيد مصر صياغة علاقتها بالدين على طريقتها القديمة من دون انفعال ولا خصومة، وتؤكد أن الروحانية قد تصبح سياسة، حين تحتاج الدولة إلى السلام أكثر من أي شيء آخر.
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا
