العقل وطاعة الله
عزيزي القارئ تحدثنا في مقالات سابقة عن العقل وهو نعمة الله تعالى التي أنعم بها على الإنسان وجعلها مناط التكريم والتكليف، وفي هذا المقال نجيب عن سؤال وهو هل نحن البشر المميزون بالعقل دون سوانا من الخلق؟ وهل الكائنات الأخرى عاقلة؟ وإن كانت الكائنات الأخرى عاقلة فما الفرق بين عقولنا وعقولهم؟
يظن البعض أن البشر هم وحدهم الكائنات العاقلة بحكم أنهم سادة الأرض وخلفاء الله تعالى فيها، وأن جميع الكائنات في السماوات والأرض مسخرون من الله عز وجل لهم، بالإضافة إلى أنهم والجن مقامان في مقام التكليف والاختيار، وهذا الظن خاطئ.
ففي الحقيقة أن جميع الكائنات عاقلة بالفطرة وعارفة بالله تعالى وعقل الكائنات عقل فطري لا يخالطه أهواء النفوس كحال البشر، إذ إنهم مفطورون على طاعة الله تعالى، ومسخرون بقدرته عز وجل والأدلة على ذلك كثيرة، منها ما كان من السماوات والجبال والأرض حينما عرض الله عز وجل عليهم الأمانة أمانة الاختيار والتكليف قبل عرضها على الإنسان، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.
وهذا يعني أنهم يعلمون مدى خطورة هذا الأمانة، وفي نفس الوقت يدركون عدم القدرة على حملها والوفاء بحقها، وإن دل ذلك على شيء إنما يدل على أنهم كائنات عاقلة بالفطرة.
هذا ودليل آخر عندما كانتا السماوات والأرض كائنتين في مكنون علم الله تعالى قبل أن يأذن الحق سبحانه باستخراجهما من مكنون علمه إلى عالم الظهور، عندما خاطبهما عز وجل بقوله “فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ”، وهذا يعني أنهم يدركون ويعلمون أن الله سبحانه هو صاحب القدرة التي لا يعجزها شيء، وأنه تعالى على كل شيء قدير، وأنه آت بهما آت سواء طوعا أي باختيارهما أو قهرا وكرها، وإن دل شيء على ذلك إنما يدل على أنهم كائنات عاقلة وعارفة بالله عزوجل بالفطرة.
هذا وهناك كائنات ذكرها الحق سبحانه وتعالى في قرآنه تخطت أنبياء الله وهم ليسوا بشرا عاديين، فهم كما نعلم أنهم صفوة البشر وخيرة الله منهم، وهم الذين شرفهم الله وسيدهم بالنبوة، وخصهم بأربع لم تعط غيرهم سوى أهل ولاية الله، وهي علوم نبوة وأنوار نبوة وأسرار نبوة ومعارف نبوة وبالرغم من كل هذه المعطيات والمنح الإلهية، فإن منهم من وقف عاجزا أمام كائن رقيق صغير الحجم، مثل الهدهد.
