حين يكون اللهُ هو الرجاءُ الوحيد
تمرُّ بنا الأيامُ بين مدٍّ وجزرٍ، بين أفراحٍ وأحزانٍ، بين لحظاتِ يقينٍ وأخرى من الشكِّ والتساؤلِ. قد نجدُ أنفسَنا في أوقاتٍ نبحثُ فيها عن يدٍ تُمسكُ بنا، عن كلمةِ طمأنينةٍ وسطَ ضجيجِ الخوفِ، عن نورٍ في عتمةِ الطريقِ.
حينَ تضعُفُ قوانا، ونرى الأبوابَ تُغلَقُ أمامَنا، حينَ نشعرُ أنَّنا بلا سندٍ، يأتي صوتُ المزمورِ ليهمسَ في قلوبِنا بحقيقةٍ أزليةٍ لا تتغيَّرُ: "لأَنَّكَ أَنْتَ رَجَائِي يَا سَيِّدِي الرَّبَّ." (مزمور 71: 5)، هذهِ الكلماتُ ليستْ مجردَ عبارةٍ تُقالُ في لحظاتِ الصلاةِ، بل هي شهادةُ حياةٍ، إعلانُ ثقةٍ في إلهٍ لا يتغيَّرُ، لا يخيبُ، لا يُهملُ أولادَهُ، بل يمسكُ بأيديهم حتى في أحلكِ الأوقاتِ.
لماذا اللهُ وحدَهُ هو رجاؤُنا؟
لأنه الثابتُ حينَ يتغيَّرُ كلُّ شيءٍ
كم من أشياءٍ اعتمدْنا عليها في حياتِنا ثمَّ اكتشفْنا أنَّها كانتْ هشَّةً! أشخاصٌ أحببْناهم لكنَّهم ابتعدوا، فرصٌ تمسَّكْنا بها لكنها لم تدُمْ، أمانٍ وضعْناها في أشياءٍ فخذلَتنا! في كلِّ هذا، يبقى اللهُ هو الوحيدُ الذي لا يتغيَّرُ. لا يمضي مع الزمنِ، لا يخفتُ حضورُهُ، لا تتقلَّبُ محبَّتُهُ بحسبِ الظروفِ. هو أمسًا، واليومَ، وإلى الأبدِ.
لأنه يعرفُ الطريقَ حتى لو كنَّا تائهينَ
كم مرَّةً وقفْنا حائرينَ لا نعرفُ ماذا نفعلُ؟ كم مرَّةً ظننَّا أنَّنا وصلْنا إلى طريقٍ مسدودٍ؟ لكنَّ اللهَ يرى الصورةَ كاملةً. نحنُ نرى اللحظةَ، وهو يرى الأزمنةَ. نحنُ نرى العقباتِ، وهو يرى كيفَ نحملُ منها دروسًا تصنعُ منَّا أشخاصًا أقوى. هو يعرفُ الطريقَ حتى لو لم نرَ نحنُ شيئًا.
لأنه لا يخذلُ من يتَّكلُ عليهِ
البشرُ قد يخذلونَنا، ليس دائمًا عن سوءِ نيَّةٍ، ولكن لأنَّنا جميعًا محدودونَ. أمَّا اللهُ، فحينَ يقولُ: "أنا معكَ"، فهو يعني ذلكَ بكلِّ ما تحملُهُ الكلمةُ من قوَّةٍ. وحينَ يقولُ: "لنْ أتركَكَ"، فهو لنْ يتراجعَ عن وعدِهِ. هو الإلهُ الأمينُ الذي يُمسِكُ بيدِنا حتى لو شعرْنا أنَّنا لا نستحقُّ.
كيف نعيشُ بهذا الرجاءِ؟
نتعلَّمُ أنْ نثقَ في خطَّتِهِ، حتى لو لم نفهمْها.. لا يعني الرجاءُ أنَّنا سنرى الإجابةَ فورًا، بل أنَّنا نُدركُ أنَّ اللهَ يعملُ حتى في صمتِهِ.
نُسلِّمُ مخاوفَنا له، ونرفضُ أنْ نعيشَ في قلقٍ دائمٍ. فالرجاءُ في اللهِ يمنحُ سلامًا داخليًّا لا يفهمُهُ العالمُ، سلامًا لا يعتمدُ على الظروفِ بل على يقينِ أنَّنا لسنا وحدَنا في المعركةِ.
نتمسَّكُ بمواعيدِهِ، ونعرفُ أنَّ كلَّ شيءٍ يعملُ معًا للخيرِ للذينَ يحبُّونهُ. حتى الألمُ، حتى الخسارةُ، حتى الأيامُ الصعبةُ، كلُّها تصبحُ جزءًا من قصَّةٍ أكبرَ يرسمُها اللهُ بيدِهِ.
حين يكونُ اللهُ هو رجاءَكَ.. لنْ تخشى المستقبلَ، ولنْ تهتزَّ مع العواصفِ، لأنَّك تعلمُ أنَّ هناكَ إلهًا يُمسِكُ بيدِكَ، ولنْ يتركَها أبدًا. رجاؤُنا ليسَ في أشياءٍ فانيةٍ، بل في إلهٍ حيٍّ، إلهٍ يعرفُ ضعفَنا ولا يزالُ يحبُّنا، إلهٍ يقولُ لنا في كلِّ يومٍ: "لا تخفْ، أنا معكَ."
