رئيس التحرير
عصام كامل

تعليم منتج بلا منغصات!

18 حجم الخط

في الوقت الذي تنشغل فيه وزارة التربية والتعليم بالترويج لنظام البكالوريا الذي يراه وزيرها حلًا سحريًا من شأنه أن يدفع بالتعليم المصري لمراتب متقدمة في تصانيف الجودة العالمية، بينما كنا نتوقع أن تدفع بنقاش مجتمعي مماثل نحو تطوير التعليم الفني الذي ما زلت مقتنعًا أنه رافعة حقيقية لأي اقتصاد قوي..

وانظروا كم تجنى دولة بحجم ألمانيا من تعليمها الفني المتطور الذي يدر لها أكثر من 200 مليار دولار سنويًا.. وأزعم أننا في مصر لا نزال منذ عقود أسرى للثانوية العامة التي تفضي إلى الجامعات وآلاف الرسائل العلمية بين ماجستير ودكتوراة.. 

 

فكم فكرة لامعة أنتجها جيش جرار من أصحاب الرسائل الجامعية والتي تعد بعشرات الآلاف رهينة الأدراج.. ولم يتم تطبيقها على أرض الواقع لتنتج دواء ناقصًا في الأسواق أو تطبيقًا تكنولوجيًا على منصات التواصل يتحكم في مصائر البشر.. فأي تعليم هذا الذي لا يمنح صاحبه القدرة على إنتاج رغيفه ودوائه وكسائه وسلاحه.. وإلى متى يأتي كل وزير تعليم جديد ليمحو بجرة قلم ما صنعه أسلافه وليغير مصير أجيال؟!


وكيف تغفل الوزارة عن ظواهر سلبية بدأت تعود للساحة بصورة كالحة في مدارسنا مثل حوادث عنف وضرب وغش وتسريب امتحانات بسببها تضيع جهود المجتهدين من الطلاب وتزهق روح العدالة وتكافؤ الفرص!


كنت أرجو أن يهتم وزير التعليم بالدعوة لعقد مؤتمر قومي جامع ليغوص في أعماق مشكلة التعليم الحقيقية، وكيف تراجعت الأخلاق، وتقدمت سلوكيات العنف واستباح الغش في مدارسنا حتى بات سلوكًا لا يأباه ضمير الناس..

 

كنا نتمنى أن يدعو خبراء ومتخصصين ليقولوا لنا: أين يكمن العيب.. لماذا لم تعدّ شهاداتنا العلمية بنفس القوة التي كانت عليها قبل عقود.. لماذا هاجرت العقول وتركت بلدها الذي أنفق عليهم دم قلبه كما تقول "العامة" لتعليمه وتربيته ثم يهجره ويعطي خيرها لغيره؟!


لماذا عادت حوادث الضرب والعنف لمدارسنا، ولماذا تستمر ظاهرة الغش.. وهل تنتج البكالوريا ما فشلت فيه الثانوية العامة.. ما زلت على قناعتي بأن صلاح التعليم لا يقرره وزير مهما تكن قدراته ونجاحاته.. 

بل لابد أن تتنادى له العقول والخبرات وأهل الخبرة يأتلفون في مجلس أعلى له من الاستقلالية والكفاءة ما يجعله بمعزل عن تأثير أي وزير، ليتخذ صحيح القرارات فيما يخص منظومة التعليم برمتها..

 

نريد تعليمًا مبدعًا يبني الإنسان علميًا وخلقيًا وإبداعيًا، تعليمًا منتجًا قادرًا على المنافسة بلا غش ولا دروس خصوصية ولا عنف.. تعليمًا يحبب الطلاب في فصول الدرس ويعيدهم إليها بحب وقناعة ليعود للمدرسة دورها التربوي والتعليمي لتصبح مؤسسة تربوية جاذبة ومنتجة وليس مجرد درجات وشهادات ينالها أصحابها سواء بالاستحقاق والجدارة أم بالفهلوة والاستخفاف والاحتيال.. نريد عودة القدوة الحسنة لطلابنا فتلك هى الطريقة المثلى لبناء شخصية سوية تؤتمن على مستقبل هذا البلد.

 


نتمنى أن يختفي العنف والضرب والغش من مدارسنا، وأن يتوارى الخوف من الامتحانات ليعود الحب للدراسة والإبداع للمنظومة كلها.

الجريدة الرسمية