لا تسب الدهر!
كثيرٌ من الناس يتطاول دون قصد على الدهر، فيلعن الأيام والليالي ويندب حظه عند أول نازلة أو مصيبة ويصف الأيام بالسواد؛ ناسيًا أن الزمان خلق الله عز وجل الذي أقسم بالعصر والزمان لعظمته وأهميته، فهو ظرف العمل ووعاؤه، وهو سبب الربح والخسارة في الدنيا والآخرة، وهو الحياة..
فما الحياة إلا هذه الدقائق والثواني التي نعيشها لحظة بلحظة، ولهذا امتن الله به على عباده فقال: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا" (أية 62: الفرقان)، فمن فاته عمل الليل قضاه بالنهار، ومن فاته عمل النهار قضاه بالليل.
ويحضرني هنا قول الفيلسوف والكاتب الروماني إميل سيوران: “لأننا فشلنا في خلق إنسانٍ يفكّر! لم يتكوّن لدينا شعب، بل تشكّل لدينا جمهور، جمهورٌ مصفق، وجمهورٌ لاعن، يصفّق مرة، ويلعن مرة! لكنه لا يفكّر”.
ولا عجب والحال هكذا أن يقول الله سبحانه وتعالي في حديث قدسي: "يُؤْذِينِي ابنُ آدَمَ؛ يقولُ: يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ! فلا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ فإنِّي أنا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ ونَهارَهُ، فإذا شِئْتُ قَبَضْتُهُما".
ليتنا نتذكر هذا الحديث القدسي قبل أن نبدأ مندبة كل عام عن سنة غادرت، وسنة أقبلت، وأن نستحي قليلا من الله ومن نعمه وفضله علينا، فالله لم يخلق الدنيا للنعيم والبقاء، بل للعمل والابتلاء؛ وطبيعي أن تجد بين الناس من فقد أعزاء علي قلبه ومن تعثر في مشروع زواج أو عمل ومن أصابه المرض أو الموت هو أو أحباءه ومن يعاني ظروفًا اقتصادية صعبة، وغير ذلك من أحداث عاشها الناس وهي شاقة علي النفس..
لكن كلها أمور حياتية طبيعية فلا أحد مخلَّد، ولا أحد لم يعان من الفشل مرة ولا أحد بعيد عن المرض ولهذا يقول سبحانه وتعالي في حديث قدسي آخر: "أَنا اللَّهُ لا إلهَ إلَّا أنا، مَن لم يرضَ بقضائي ويصبِرْ على بلائي فليَلتَمِس ربًّا سوايَ".
ليتنا نمعن النظر فيما أنعم الله به علينا من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النحل:18). وتذكر قول القائل: لا أعلم ما يخبئه الغد لي ولكن خبأت له حسن ظن بالله وان ما يكتبه لنا كله خير.. دعونا نأمل في الله أن يكون عام 2025 عام خير وسعادة وسلام وعمل وتوفيق ورزق وفير.. وإن نحسن الظن بالله؛ فلو أحسنا الظن لأحسنا العمل.
