من عرف نفسه عرف ربه
قد يطول عمر الإنسان بضع سنين؛ فمن الناس من يسأم ومنهم من يقبل على الحياة ويتشبث بها؛ لكن أحدًا من هذا الصنف أو ذاك لم يقف مع نفسه ليسأل: لماذا أطال الله في عمره؟! وهنا نكون حيال أمرين لا ثالث لهاما؛ فطول العمر قد يكون منحة، وهنا يروى أنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللَّهِ أيُّ النَّاسِ خيرٌ؟ قالَ: مَن طالَ عمرُهُ، وحَسنَ عملُهُ، قالَ: فأيُّ النَّاسِ شرٌّ؟ قالَ: مَن طالَ عمرُهُ وساءَ عملُهُ.
ومعنى ذلك أن طول العمر قد يكون محنة وبلاء على صاحبه؛ وفي كل الأحوال هو فرصة للإنسان لتصحيح مسار حياته، إذا كان معوجًا وتصويب أخطائه التي لا تعظم على الله مغفرتها؛ أو تعظيم رصيده من أعمال الخير؛ فالله تعالى يقول في كتابه العزيز "مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا" (النساء: 147).
وغاية الخلق، أن يحسن الإنسان لنفسه ولمن حوله؛ وألا يظلمها أو يظلمهم، وألا يستسلم لطوفان نفسه الجامحة لتسلمه إلى المهالك؛ وهذا درس بليغ لكل حي، فما زالت فرصتك قائمة فاستثمرها، إما بإصلاح نفسك إن كانت على غير مراد الله من الخلق، أو تضاعف من أفعال الخير فتنفع البشرية وتنفع نفسك قبلها..
وليعلم أصحاب المناصب أن بلاءهم عظيم وخطبهم جليل، فهم يتحملون مسئولية كثير من الناس، يسعدون بصلاحهم ويشقون بفسادهم وإهمالهم، فليلحق هؤلاء أنفسهم بسرعة رفع المظالم وعودة الحقوق لأصحابها.. فالموت قادم لا فرار منه، فأسرعوا الخطى وصححوا المسار قبل فوات الأوان، ولا يستعظم أحد منكم ذنوبه وإن كانت كزبد البحر فالله تعالى يقول"إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ "(النساء:48).
والسؤال الذي يطرح نفسه: من أين نبدأ؟ والجواب: لابد أن تبدأ بنفسك، "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الرعد:11)، وأن تمتلك قدرة حقيقية وشجاعة قوية تسمح لك بالاعتراف بعيوب نفسك ومساوئها، فهذه أولى خطوات إصلاح الذات؛ والإنسان إذا لم يسعى إلى إصلاح نفسه ازدادت عيوبه، وإذا لم يقم بتطوير ذاته فإنَّه سيبقى مكانه ولن يتقدم في دنياه ولا في آخرته..
من أراد تطوير ذاته، فلا بدَّ له أولا أن يعرف نفسه وأن يقف على عيوبها، وأن يحدد نقاط القوة في شخصيته ونقاط الضعف فيها، فمن غير ذلك لا يمكن لبنيان ذاته أن يتم، ولا لزرعه أن يورق، فمن عرف نفسه فقد عرف ربه.
