رئيس التحرير
عصام كامل

وثائق الجيش الأمريكي: حقيقة أم خديعة؟

لعقود متواصلة لم تتعرض أجهزة المعلومات الأمريكية لهزة عنيفة بقدر الهزة الجارية، وبسببها تعيش الولايات المتحدة منذ أسبوع تقريبا أزمة ثقة عنيفة داخل دوائر المعلومات فيها والوزارات المرتبطة بها من ناحية، وأزمة ثقة، من ناحية أخرى مع حلفائها وشركائها، بسبب ما تسرب من وثائق غاية في السرية، من داخل أكبر مؤسسة حربية معلوماتية في العالم، وهي البنتاجون، مقر وزارة الدفاع الأمريكية. 

 

مائة وثيقة على الأقل، تم تداولها لمدة شهر، من أوئل مارس، على الإنترنت، بين المستخدمين، ولم تتخذ وزارة العدل الأمريكية أي خطوة للتحقيق الجنائي إلا بعد أن نشرت النيويورك تايمز والواشنطن بوست نصوصا من الوثائق مسربة من جوف وزارة الدفاع الأمريكية. 

 

الوثائق تغطي معلومات حديثة جدا، عن الفترة من فبراير حتى مارس الماضيين، من روسيا وأوكرانيا وآسيا والشرق الاوسط، وكلها فيما يبدو موجهة لرئيس الأركان مارك ميللى، تتناول معلومات كاملة التفاصيل عن أصدقاء أمريكا وأعدائها على حد سواء، مما يضع إدارة بايدن في موضع الحرج البالغ، إذ كشفت الوثائق عن نشاط الجواسيس الأمريكيين والعملاء وطرق التجسس علي حكومات تعتبر حليفة وصديقة، وشريكة لواشنطن.

 

وتبذل الإدارة الأمريكية جهودا مضاعفة لتبرير وتمرير الأزمة واحتواء تداعياتها، لضمان استمرار التعاوني الاستخباراتي مع الحلفاء والشركاء. جمعت المعلومات وكالة الأمن القومي، ووكالة المخابرات المركزية ووكالة استخبارات وزارة الدفاع (المخابرات الحربية) ووكالة مكافحة المخدرات DEA ومكتب الاستطلاع الوطني (الذي يدير أقمار التجسس الصناعية الأمريكية).

حرب معلومات

بمجرد البث الكثيف على منصات التواصل الاجتماعي، أخذت الأجهزة الأمريكية تتبادل الاتهامات، وكل جهاز يجري تحقيقاته للكشف عن عميل مزروع، وبينما يحدث هذا لا تجد القصة الأمريكية قبولا ولا تصديقا، ليس فقط من جانب الروس، بل من داخل النخبة السياسية في واشنطن. 

 

فالروس ينظرون بعين الشك في التسريبات، ويرون أنها تسريبات خداعية، ٩٠%منها حقيقة لكنها ليست بذات بال أو أهمية حيوية، و١٠% كاذبة ملفقة، والكاذبة الملفقة هي الأخطر. وهي المطلوب تسريبها إلى العقل الروسي ومتخذ القرار وتضليله وبخاصة حول التجهيزات الأوكرانية لشن هجوم الربيع الوشيك لتحرير الدونباس شرقي أوكرانيا وجنوبها.

 

إنها الحرب، بل حرب المعلومات، بالأحرى، صواريخ ومسيرات وقنابل ودبابات على الأرض، وحشو عقول بخرائط تفصيلية لمعلومات تقبل الصدق، بل الشكر، بسهولة! وحرب المعلومات هي العقل المدبر لحركة الدبابات على الأرض والمسيرات في الجو، والقطع البحرية في المياه.


الروس ليسوا وحدهم من يرتاب في المصداقية الكاملة للمائة وثيقة المسربة على الأقل، بل من الأوكرانيين وقياداتهم من باتوا يتساءلون كيف تفرط واشنطن في اسرار الجيش الاوكراني وعتاده ومواقعه ومدى استعداده لشن هجوم الربيع. 

 

وظهر للعالم أن اجهزة التجسس الأمريكي وضعت رئيس أوكرانيا تحت المراقبة اللصيقة، ماذا يقول، وماذا يفعل، وكل ما يرتبط بحركاته وسكناته، وبالطبع، لا ينسى الأمريكيون متابعة حلقة المقربين والقيادات العسكرية. من ناحيتها تعتبر إدارة بايدن أنها تعرضت لأضرار بالغة، ليس فقط بسبب افتضاح أمر تجسسها على حلفائها، بل لحصول الروس على معلومات يمكنهم تقييمها على نحو تفصيلي يمنحهم دلالات أعلى قيمة.

 


ومع كثير من النظر في سيول المعلومات المتدفقة حول هذه الفضيحة التى ضربت الديمقراطيين، يمكن رصد ملامح العميل المزروع، الجاسوس الذي سرب المعلومات الخطيرة وغير الخطيرة.. انه الصراع السياسي البالغ الشدة والحدة، صراع أنصار ترامب في الأجهزة، ورجال بايدن في الوكالات ذاتها.. مؤدى ذلك أن الانقسام آخذ في التغلغل، ويؤتي ثماره.. شماتة من العالم المقهور، ورعبا من التدهور السريع في البنية السياسية الأمريكية..
ونتابع

الجريدة الرسمية