رئيس التحرير
عصام كامل

فضلًا.. طهروا الإعلام

يقيني أن المشهد الإعلامي في مصر برمته بات في حاجة إلى إعادة نظر، وأن الإطاحة بالعديد من الأقلام الصحفية والوجوه التلفزيونية التي تتصدر المشهد، ولا تقدم سوى إعلام سلبي سَئِمَه القراء والمشاهدون، بات مطلبًا وطنيًا وشعبيًا، يحتم الدفع بكفاءات مهنية مثقفة، تعي قيمة وأهمية الكلمة، بعيدًا عن هوس الترند والمضمون التافه، الذي بات يشكل خطرًا على السلطة ذاتها، بعد أن وصل إلى حد إحراج الدولة وإدخالها في أزمات سياسية.

 

فمنذ عدة أسابيع، خرج علينا صحفي يشغل موقعًا قياديًا بإحدى الصحف الحكومية، بمقال غير مسؤول، لا يخرج من طالب بالمرحلة الابتدائية، شن خلاله هجومًا شرسًا على دولة عربية شقيقة، مستخدمًا ألفاظًا وعبارات أقل ما يُقال عنها أنها ساقطة، أدخلت الدولة في أزمة سياسية غير مبررة، واضطر القيادة السياسية إلى الخروج واستنكار ما تم نشره.

 

المصارحة تحتم الاعتراف بأن المقال الكارثي الذي أثار الأزمة كان متوقعًا، وقد يتكرر ما هو أسوأ خلال الأيام المقبلة، بسبب الاختيارات غير الموفقة التي تعتمد على المجاملات والعلاقات والدفع بأهل الثقة وإبعاد أهل الكفاءة، بدليل أن الصحفي القيادي لم يستطع حتى قراءة المشهد أو التحلي بالمسؤولية الوطنية التي يفرضها عليه موقعه، وفضّل –بجهل- استغلال خلاف في الرؤى مع دولة شقيقة لتملق السلطة، دون أن يكلف نفسه مجرد الاطلاع على الموقف الرسمي من الخلاف، الذي حوله بجهل إلى أزمة استدعت تدخل القيادة السياسية لاحتوائها.


إعلامي غير مسئول

للأسف، إن مهازل اختيار من يتصدرون المشهد الإعلامي في مصر لم تتوقف عند هذا الحد، بل وصلت إلى جعل مصر بشموخها وتاريخها وحضارتها أضحوكة في وسائل الإعلام العالمية، بعد أن خرج علينا إعلامي يملأ الدنيا ضجيجًا ونفاقًا، ولا أبالغ في القول إن الملايين كرهوا طلته، وأخذ يتغزل –بجهل- في القيمة الغذائية لأرجل الدجاج، ويحث المصريين على تناولها.

 

المبكي، أن الإعلامي المعروف بأجره المرتفع وثرائه الفاحش للغاية، لم يكن يهدف أيضًا إلى صالح الفقراء بقدر ما كان يتطلع إلى إرضاء السلطة، دون إدراك أن ما قدمه من عبث، سيجعل مصر مثار استخفاف أمام العالم، وهو ما حدث بالفعل، بعد أن انساقت الأغلبية العظمى من وسائل الإعلام المحلية بجهل وراء دعوته، وراحت تهلل وتتغزل في أرجل الفراخ وفوائدها الهلامية، مما دفع أجهزة الإعلام العالمية إلى تناول القضية من منظور ساخر، معتبرة أن الأزمة الاقتصادية حولت المصريين إلى جياع.

 

وهو ما عكسه تناول وسائل الإعلام البريطانية، التي احتلت فيها قضية أرجل الدجاج في مصر صدارة الأخبار الأكثر قراءة على مدار أسبوعين كاملين، متفوقة على أخبار النقص الحاد في الخضروات التي يعاني منها البريطانيون الأمريّن، ومعها الاحتجاجات التي تجتاح أوروبا، والمعارك الطاحنة في أوكرانيا.

 

المحبط، أن التناول العبثي من الإعلام المصري لقضية أرجل الدجاج، فتح شهية الإعلام البريطاني لملفات أخرى تتعلق بارتفاع أسعار الأغذية في مصر، ولاسيما بعد أن جذبت القضية ملايين القراء البريطانيين، مما دفعها إلى نشر فيديوهات أخرى عن تكلفة طبق الكشري وسندوتش الفول، والأكل المستعمل، ولحوم الأحصنة، والأرز البلاستيك، وديدان الجمبري في مصر، لدرجة أن مشاهدات بعضها تعدى المليونين خلال ساعات، مصدرًا صورة لا تليق بعظمة مصر وشموخ المصريين.

 

إعلام سلبي

للأسف، إن التناول غير المسؤول للقضايا الاستفزازية من مجموعة بعينها من الصحفيين والإعلاميين، الذين لا يمتلكون الحد الأدنى من الثقافة، بات يشكل خطرًا على البلاد والسلطة، لأنهم باختصار لا يصدرون سوى إعلام سلبي جاهل، وصل خلال الأسبوع الماضي إلى حد خروج إعلامي مثير للجدل لدعوة الشعب إلى تناول لحوم الحمير والأحصنة، من منطلق شهيتها وعدم حرمتها وتداولها علنًا في عديد من الدول الأوروبية.

 

ولأن الدعوة جاهلة ولا تتماشى مع تقاليد وأعراف المجتمع، الذي يفضل الاستغناء عن اللحوم بكل أنواعها عن الامتثال لأكل الحمير، كان لابد أن تفتح القضية مجالًا لجدل عقيم وغير مبرر، استدعى تدخلًا أكثر عبثية من علماء الدين والأغذية، وكم كنت أتمنى أن يتحلى الإعلامي اللوذعي بالمصداقية ويخرج على الهواء وهو يتناول فخدة حمار أو حصان.

 

 

الواقع يقول، إن هناك كثيرا من الأقلام الصحفية والوجوه الإعلامية تحتل صدارة المشهد ولا تمتلك الحد الأدنى من الثقافة أو الإمكانيات، وأنه بات لا يعنيهم سوى تقديم خطاب يرضي السلطة، حتى وإن جاء بمردود سلبي على الشارع، وإن الإطاحة بهم بات واجبًا وطنيًا ومطلبًا شعبيًا، والدفع بكفاءات تعي معنى أمانة الكلمة، إن كنّا نريد خيرًا لهذا البلد.. وكفى.

الجريدة الرسمية