رئيس التحرير
عصام كامل

مصر من الداخل

كان المجتمع المصري علي مر عصور طويلة يتميز بسمات كانت أقرب إلى الثبات، ولذلك يعتبرها العلماء سمات أصيلة، فالمصري إتسم بكونه ذكيًا، متدينًا، طيبًا، ومتسامحًا، وكان هذا يشكل الخريطة الأساسية للشخصية المصرية في وعى المصريين ووعى غيرهم. ويعود هذا الثبات النسبي لهذه السمات إلى ارتباطها بعوامل جغرافية ومناخية مستقرة نسبيًا. بيد أن تحولات نوعية حدثت فى بعض السمات..

 

 فمثلًا استخدم البعض ذكاءه، وفقًا لكتابات عديدة، في الفهلوة، وتعددت صور التدين التي كان بعضها أصيلًا وبعضها الآخر غير ذلك، وظهرت بعض الميول العنيفة أو العدوانية (الظاهرة أو الخفية)، وتأثر الجانب الفني في الشخصية تحت ضغط العشوائيات كما زادت حدة السخرية وأصبحت لاذعة وقاسية وبدا التعصب السياسي قائمًا فى حياة المصريين بشكل عام، وجوهر ذلك هو غياب الحوار وعدم التسليم بحق الآخر فى الحرية والتفكير والاعتراف بحقه فى إبداء الرأي. 

تراجع الوعي العام

 

ومن ثم فإن النظرة الأحادية التي أثرت على التكوين الثقافي للمصريين كانت غالبًا ما تنهي المناقشات بالخلافات وربما الخصومة. ثم الإسراف في اتهام المعارضة السياسية السلمية بالإرهاب لا تفيد منه إلا الجماعات الإرهابية، فهو يضعها فى سلة واحدة مع أصحاب الأفكار السياسية السلمية، ويبعد عن هذه الجماعات الصورة الذهنية التى كان يجب أن تبقى مرتبطة ببشاعة الإرهاب الحقيقى، وبضرورة اصطفاف كل المصريين لمحاربته واستئصاله، بدلًا من التعاطف معه "على حس" الأبرياء المتهمين لدرجة القبض على فرقة اسمها ظرفاء الغلابة قدمت اسكتش كوميدي عن غلاء الأسعار، ولم يكن أحد يسمع عنهم شيئا، ولكن شهرتهم زادت بنسبة قد تتجاوز عشر أو عشرين ضعف في يوم واحد.

 
مجموعة الصدمات التي تعرض لها المصريون منذ ٢٠١١ متعددة بدون أي هدنة لالتقاط الأنفاس ومنها موجة العنف التي ضربت البلاد، وحالة الاحتقان والاستقطاب الحاد وتجريف أرض المشاركة المجتمعية وإقصاء المواطن وتهميشه مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة، كما أن هناك اعتقاد بأن إنفاذ القانون يركز على كل ما هو تريند ظاهري وكل ما هو مستتر وبدا واضحا صراع المؤسسات الدينية بين بعضها دون الالتفات للناس ثم مسرحية التنوير المفتعلة. 

 

وظهور الجرائم العائلية ست تقتل أولادها، وأخر يضرب والده وأشقاءه، وبنات تقف ضد أبوها في المحكمة، وأب يفشي خصوصيات بنته ع الفضائيات وطالب يذبح زميلته أمام باب الجامعة وقاضي يقتل زوجته وسباب في المؤسسات الرياضية وتسريبات مشينة من قادة هذه المؤسسات مع تجريف في الشخصية وتراجع في الوعي العام، نتيجة تدهور في التعليم والإعلام، وطبعا الفقر وهكذا غابت مؤسسات التأسيس وهذه نتيجة منطقية لنصبح أمة في أزمة.. 

 

مثل جسد يئن فيصرخ صاحبه.. وفي ألمه العنيف يهذي في حنق.. ويضرب في غيظ.. بلا حكمة ولا رشد ونتيجة لكل ذلك لم نعد مجتمعا متجانسا يعرف ويفهم بعضنا بعضًا.. بسبب نشر الكره والإقصاء وعدم الأمان. نحن أغراب ولا نستطيع توقع تصرفات من حولنا ونتوقع دوما الأسواء فالمجتمع يتفكك تحت غطاء التطور والتنوير الفوضوي والحرية الشخصية المزعومة مع تقويض قدرة المؤسسات الاجتماعية التقليدية على ضبط السلوك الخاص للأفراد.. 

 

 

موظفو الحكومة تكاثروا وتوالدوا، ومعهم تكاثرت وتوالدت متطلباتهم واحتياجاتهم ومشاكلهم في تعطيل مصالح الناس ومميزاتهم. ووصل الأمر لدرجة أن لكل 15 شخصًا موظفًا حكوميًا يلتهمون الموازنة العامة للدولة على حد توصيف برلماني وبصراحة مصر من الداخل بعافية وفي حاجة لكشف عاجل للتشخيص الدقيق قبل بدء العلاج حتي لا نكرر تعاطي الدواء الخاطئ.

الجريدة الرسمية