رئيس التحرير
عصام كامل

الناس التانية

يتصور الكثيرون إن مصر هي القاهرة والجيزة والاسكندرية والقليوبية بل إن سكان بقية المحافظات عندما يسافرون للقاهرة يقولون مسافرين لمصر رغم أن سكان المحافظات الأربع لا يزيدون عن ربع سكان مصر ولكن هناك من يختصر مصر في القاهرة ومنهم من يرى أنها عدة أحياء والغريبة أن بعض المسئولين يتصورون أن ناس مصر هم من يحيطون بهم في الافراح والمآتم والمنتجعات والكومبوندات وينسى الجميع أن هناك ناس تانية ليسوا من كل هؤلاء.. 

 

خلال نصف ساعة فقط من مشاهدة قنوات التليفزيون في رمضان، ستتقلب بك عشرات الإعلانات التجارية بين مزايا عروض الفيلات والمدن الجديدة الفارهة والشاليهات البحرية، إلى التبرع لبناء مستشفيات الحروق أو أمراض القلب وسرطان الأطفال. تنقل سريع بين الطبقات بصورة مستفزة والمشكلة أن هناك أسر عديدة  تواجه مشاكل مادية حقيقية ليس بسبب ظروف الحرب أو فترة كورونا التى أثرت على الاوضاع المادية والاجتماعية فى مصر والعالم، ولكن بسبب السنوات الطويلة التى تلت  25 يناير 2011 وحتى الآن وستستمر فى ما هو قادم.. 

 

سنوات الثورة والفوضى والاصلاح الاقتصادى وزيادة الرسوم والضرائب وفواتير الخدمات حتى على السكن الخاص وحين تعرضت تلك الأسر للسحل وأنفقت كل مدخراتها وباعت كل ما تملك، وأصبحت تواجه الذل والمعاناة بعد عز واستقرار، فضلا عن عدم قدرة أولياء أمور عن سداد المصروفات واقساطها ليس إختيارا أو تقصيرا ولكنه أمر واقع وهو ما جعل الشعور بآثار الحرب وكورونا أعمق وأشد ألما، وجعلنا حالة مختلفة تماما عن كل دول العالم.

حياة كريمة


لم يصنع التماس بين أحياء العاصمة التقارب بين السكان ولكنه أفرز الناس التانية وحده النيل يفصل بين حي بولاق أبو العلا الشعبي وبين حي الزمالك الراقي، وتفصل مساحة 3 كيلو متر حي المطرية الشعبي عن حي مصر الجديدة الراقي، فيما تفصل قضبان قطار بين حي بولاق الدكرور الشعبي وبين أحياء الدقي والمهندسين فيما تفصل مساحة صغيرة بين حي الجيارة الشعبي وحي المعادي الراقي.

 

ونقلت هذه الفواصل الدرامية التي تضع المشهدين قبالة بعضهما البعض للمدن الجديدة، فمدينة السلام الشعبية بكل فوضاها تقع جانب مدينة العبور الراقية، وصنفت مدينة 6 أكتوبر إلى أحياء راقية وأحياء شعبية على الرغم من أن عمر المدينة لم يتجاوز العشرين عاما. هذه التناقضات تخلف آثارا غير سوية بين طبقات المجتمع، وتكرس للفوارق تكريسها للحقد الطبقي، وتحليل السرقة والرشوة، والإبداع في مجال الفساد، لأن الدولة هنا تنظر للنقيضين بنظرتين مختلفتين، فهذا شريف، وهذا فقير، وهذا إبن فلان وعلان إبن النسب والحسب، وهذا مجرد مواطن مصري يحمل هوية أسمه وتعريفه فقط. 

 

فكانت العشوائيات أخطر الظواهر تأثيرا في عواصم مصر الكبرى وظهر ذلك الحزام المكدس بالبشر بكل ما حمله من مظاهر التخلف والجريمة فكانت مشروعات مواجهة العشوائيات.. ولم تكن مجرد بيوت مكدسة بالبشر ولكنها تحمل كل أمراض الزحام ابتداء بالجرائم والمخدرات وغياب الأمن وانتهاء بأوكار الفكر المتخلف. ولهذا فإن مشروع حياة كريمة سيكون نقطة تحول في تاريخ مصر الحديث، ليس فقط لأنه إنقاذ لملايين المصريين الذين يعانون ظروفا إنسانية واجتماعية صعبة ولكنه مشروع يسترد للمواطن كرامته ويستعيد لنصف هذا الشعب حقهم في حياة كريمة..

 

 

وأيضا أحوال الفلاح المصري تتطلب وقفة لتغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي والإنساني لأكثر من ٦٠ مليون مصري يعيشون في ريف مصر. الذي  يعاني غياب الخدمات، حيث لا مياه ولا كهرباء ولا صرف صحي ولا مساكن تليق بالبشر في غالبية  الريف وانتشرت في ريف مصر عشوائيات أخرى في الأراضي الزراعية.. وعاد التكدس يلتهم أغلي ما تملك مصر وهي الأراضي الزراعية التي لا تقدر بثمن. وكما واجهت مصر عشوائيات المدن لا بد أن تواجه عشوائيات الريف بكل ما يحمله من مظاهر التخلف، فهولاء هم الناس التانية وللاسف هم الأغلبية..

الجريدة الرسمية