رئيس التحرير
عصام كامل

سلسلة ما وراء التسريحة (15)

عودة الرجل المنكمش 
خرج الدكتور فرغلي من فتحة صغيرة بأحد أركان الخطاب، وكأنه دودة تخرج من شرنقة، وفجأة أغمي عليه وسقط على الظرف، فحاولت إفاقته بأن ضربته بالقلم على وجهه عدة مرات، لكنه ظل مغشيا عليه، فأسرعت إلى المطبخ ورحت أتسلق نحو حوض غسيل المواعين، إلى أن بلغته وبصعوبة كبيرة فتحت الحنفية لتفيض منها بعض النقاط الصغيرة التي بدت لي فيضا عظيما، وحين مُلئ كفي منها وحاولت النزول انسكبت المياه، ولم أجد بدا من أن أملأ فمي بالماء.


عدت إلى الدكتور فرغلي الملقى على ظرف الخطاب، ونفخت في وجهه سيلا من الماء، فانتبه واستعاد وعيه، ظل ولثوان يحدث في غير مدرك للمكان والزمان، قبل أن ينهار باكيا ويلقي بنفسه إلى حضني وكأنه طفل ضل الطريق ثم فجأة وجد أمه أمامه.

- صل على النبي يا دكتور.. مالك؟
- أخيرا عدت.. لقد اعتقدت أني هالك..
- خبرني ماذا حدث معك في فنلندا؟ ولماذا لم تعد إلى حجمك الطبيعي
- حجمي الطبيعي! ما هذا؟ بل خبرني أنت كيف أصبحت منكمش الحجم مثلي!!

سلسلة ما وراء التسريحة (14)

بعد عراك تبادلنا فيه اللكمات دون داع، هدأ الدكتور فرغلي، وأخذت أحكي له ما حدث منذ رحل هو داخل خطاب إلى فنلندا لحضور المؤتمر العلمي حول تكنولوجيا انكماش البشر، وكيف أنني حضرت التركيبة السرية التي اخترعها هو، فلكمني مرة أخرى بدعوى أنني خائن للأمانة وأنني حاولت سرقة بحثه العلمي، فحكيت له قصة اختفاء سلسلة مفاتيحي خلف التسريحة واضطراري لتصغير حجمي حتى أتمكن من استعادتها.

أما عما حدث له في فنلندا، فقال هو: «ذقت الأمرين يا بخيت منذ وضعتني داخل الخطاب المرسل إلى فنلندا، والبداية كانت مع موظف البريد الذي وضع مجموعة من الأظرف داخل حقيبة جلدية صغيرة عائدا إلى منزله، وهناك أخرجها جميعا وأخذ يفعص فيها بيديه وكأنه ولية تشتري القوطة في سوق الخضار، وحين تحسسني بيديه من خارج الظرف شعرت ببعض الدغدغة ورحت أضحك وأتلوى ثم انتابتني موجة غضب حين استمر التحسيس، ويبدو أن الرجل ظنني شيئا ثمينا ففتح الظرف بخفة وحذر بشكل يثبت أنه متمرس، ثم أمسك بي وراح يضغط علي معتقدا أنني كرة صغيرة من المطاط، وأبدى دهشته وامتعاضه، ثم دسني مرة أخرى داخل الظرف وأغلقه».

قبل أن يكمل الدكتور فرغلي حديثه طلب مني شيئا يأكله فهو على لحم بطنه منذ أسبوع، فجريت على المطبخ ولملمت فتات الخبز والطعام المتناثرة هنا وهناك وعدت لنأكل معاً، كي يواصل الحديث وهو يبتلع الأكل في جوفه كمن لم يأكل منذ عام.

وواصل الدكتور فرغلي حديثه: «شوف يا عزيزي، وصلت فنلندا بعد وقت طويل جدا، أظنه عاما مثلا، لكنني استنتجت بعقليتي الفذة أن انكماش حجمي تبعه انكماش في أشياء أخرى، مثل الوقت، وربما ذلك الوقت الذي ظننه عاما أو أكثر ربما هو أيام قليلة أو ساعات.. المهم – كي لا أطيل عليه – وصلت داخل الخطاب إلى يد البروفيسور  يالماري هلاندر، لكن للأسف حين فتحه ظنني هو الآخر كرة من المطاط فنظر إلي وظللت أحدثه لكنه لم يستمع إلى شيء، ثم وضعني داخل علبة صغيرة على مكتبه، وراح يقرأ البحث، وقد بدت على وجهه علامات الدهشة والفرح، وهنا قفزت إلى جيب بجاكت بدلته، وكنت أتنقل من بدلة لأخرى كلما غير ملابسه حتى أضمن حضوري معه ذلك المؤتمر، وهناك حدث ما لم أتوقعه، فالرجل الناقص قرأ البحث عليهم ونسبه لنفسه.. شفت ندالة أكتر من كده؟!».

سلسلة ما وراء التسريحة (13)

كفكفت دمعات انسابت على خد الدكتور فرغلي، ورحت أواسيه وهو يخبرني بقايا القصة، إذ إنه نجح في العودة إلى مصر بمعجزة، حيث اندس بين الخطابات التي ترسل إلى كل من لم يحضر المؤتمر من المدعوين والعلماء، وأخذ يبحث عن ذلك الخطاب المرسل إلى مصر فغير عنوانه ليصل إلى بيتي أنا.

لم ينته الدكتور فرغلي من كلامه، إلا وسمعنا صرير باب الشقة وكأنه قطار يسير في بحر من الزلط، وراح الباب يقترب منا ليدهسنا، فجذبت الدكتور من قفاه ورحت أجرجره بينما هو لا يعي ما يحدث، وبمعجزة جديدة ابتعدنا عن خط سير الباب، فتركت ياقة قميص الدكتور فرغلي وارتميت إلى جواره لاهثا.

كانت حسنات، زوجتي العقربة، هي من فتح الباب –ومن غريرها أس المصايب هذه– والتي لمحت الخطاب ملق على الأرض، فانحنت لتلتقط، ثم مضت في طريقها نحو غرفة النوم، وفي الطريق ألقت بحقيبة يدها على كرسي الأنتريه، فسقطت على الأرض إلى جوارنا تماما، ولولا ستر الله لسحقتنا سحقا.

أخبرت الدكتور فرغلي إنه يتوجب علينا الذهاب للمطبخ، بحثا عن الزجاجة التي أحتفظ داخلها بالتركيبة المضادة، فأسرعنا إلى المطبخ واعتلينا الرخامة صعودا إلى الرف الذي توجد عليه الزجاجة، ثم جذبناها معا لتسقط على الأرض ويتناثر ما فيها من سائل.

وهكذا بتنا على بعد خطوة واحدة من لعق ذلك السائل الذي سيعيدنا إلى الحجم الطبيعي للبشر، لكن قبل تلك الخطوة دخلت حسنات المطبخ وأخذت تنظر للزجاجة المكسورة والسائل السائح على الأرض، ثم أطلت نحونا وهي تصرخ.

- أنتي جيتي تاني يا حشرة.. ومن هذه؟ حشرة أخرى.. نهاركم مش فايت.

وأخذت حسنات الغبية تطاردنا، ونحن نفط وننط من مكان لآخر، ينما أنا أصرخ في الدكتور فرغلي الذي كاد يخرج من الباب.

- لا.. لا تخرج يا دكتور، سنظل نحاورها ونناورها إلى أن نتمكن من لعق هذا السائل قبل أن تمسحه هي من على الأرض.. هذه فرصتنا الوحيدة.

استمع الدكتور فرغلي إلى جواري، ولم يغادر الغرفة، وبقينا أنا وهو نناور حسنات العقربة وهي تطاردنا، وكل أملنا أن تعطينا فرصة كي نقترب من السائل، غير أنها تمكنت من الإمساك بالدكتور فرغلي، وهي تظنه حشرة، وهمت تعصره بين أصبعيها كمن يفعص ناموسة!!
الجريدة الرسمية