رئيس التحرير
عصام كامل

عن صاحب أعظم وداع في التاريخ!


ويكون السؤال المنطقي: كيف تودع الملايين ديكتاتورا كما يقول أعداء الرجل وخصومه؟ بل يضيف الإخوان: ديكتاتور حكم مصر بالحديد والنار وأذل الشعب! هل تجتمع كل هذه الملايين على باطل؟! ولم يسأل أحد نفسه: جنازة "عبد الناصر" تمت بعد رحيله بثلاثة أيام، وبالتالي ذهبت الصدمة الأولى..


وإن كنا شعبا عاطفيا فهذه الفترة كافية ليستفيق الناس من أي تأثير للعاطفة.. فكيف ولماذا خرجت الملايين في كل مصر.. كل الوطن العربي.. كل العالم يودع "جمال عبد الناصر"؟ وإن كان ما يعنينا مصر في الأساس لأن فيها الشعب الذي حكمه "عبد الناصر" فقد سار خلف النعش من 5 إلى 6 ملايين مصري في بلد تعداده 26 مليونا وهو أكبر تجمع بشري في وداع أحد في العالم كله!!

لم تكن الجنازة خلف النعش.. بل ولأول ولآخر مرة حتى اللحظة تقيم مدن وقري ونجوع مصر جنازات رمزية ويسيرون خلف نعش رمزيا ويتلقون العزاء في بيت كل عائلة والكل يذهب ليعزي الكل!

لأول مرة تصرخ سيدات مصر وكأن عائلها ورب أسرتها هو الذي مات.. والمدهش أن هذه كانت هي الإجابة عند سؤال الكثيرين وهي أنهم فقدوا عائلهم!

ما الذي يدفع سكان محافظة كبني سويف تقع على بعد 120 كيلومترا من القاهرة أن يزحفوا إلى القاهرة مشيا كما يروي أهلها، ومنهم النجم "محمود حميدة"؟ وما الذي يدفع إلى المجازفة بالأرواح بتسلق أعمدة الإنارة والموت على بعد سنتيمترات قليلة؟! وما الذي يجعل الحزن يخيم على الكبار والصغار ويستمر الحداد في مصر كلها فترة الحداد الشعبية وعددها أربعون يوما؟!

مات الديكتاتور كما يصفه الإخوان وحلفاؤهم والطبيعي أن يفرح الناس!!

لكن هذا الشعب الطيب الذي فعل ذلك أدرك بفطرته أن الرجل كان حاسما لا ليحمي حكمه فقد كان الأكثر شعبية في تاريخ حكام العالم.. ولم يكن حاسما مع خصومه كي يجمع ثروة.. فقد مات فقيرا كعامة الناس لا ثروة لا أموال بالبنوك.. وأدرك الناس أن الرجل كان حاسما مع خصومه ليس ليورث ابنا له حكم البلاد.. وإنما كان حاسما ليعيد هندسة مصر اجتماعيا، ويرد الآدمية لملايين الأسر الذين حرموا طويلا في حين استأثرت أقلية بكل شيء!

ولم يكن العدل الاجتماعي في أرقي صوره يتم بالرضا ولا بالقبول الذاتي.. أعاد الرجل الأرض لأصحابها الأصليين التي صادرها من أجدادهم "محمد على" وورثها أولاده ومنها وزعوا الإقطاعيات على المحاسيب.. في حين أن الفلاحين المصريين هم من بنوا وحفروا كل إنجازات "محمد على" وأولاده وحرموا من كل شيء! كان الرجل حاسما ليحمي مصر من جماعة ملعونة وحماها بالفعل!

وزع "جمال عبد الناصر" الأرض على الغلابة ولم يأخذ منها سهما واحدا.. وأقر مبدأ تكافؤ الفرص فسافر أبناء الغلابة في بعثات دراسية للحصول على الماجستير والدكتوراه ولم يذهب ولد له معهم! 

أقر الرجل مجانية التعليم، وتعلم أولاده مع العامة لم يتميز منهم أحد! وأعاد الرجل قصور أسرة "محمد على" للدولة، ولم يعش في واحد منها بل في بيت متواضع يسكن الأثرياء فيما هو أكبر وأوسع وأفخم منه!

بفطرة المصريين أحبوا الرجل الذي أحبهم.. فاجتمعوا على أعظم وداع في التاريخ.. وهو إلي اللحظة رقم قياسي من نصيب رجل رحل في مثل هذا اليوم قبل 49 عاما.. "جمال عبد الناصر"!
الجريدة الرسمية