رئيس التحرير
عصام كامل

كمال الدين صلاح.. شهيد الدبلوماسية المصرية في أفريقيا


سمعتُ عنه الكثير من أحد مساعديه الذين عملوا معه في الصومال، هو السفير "محب السمرة"، فأيقنتُ أن دبلوماسيينا في تلك الحقبة المجيدة، كانوا رهبانًا في محراب عشق مصر، والعروبة، وأبطالًا فوق العادة، وشهداء تحت الطلب، وهبوا أرواحهم فداءً للوطن؛ حتى إن البعثة الدبلوماسية المصرية في الصومال، كانت وراء الوحدة بين شطريه، بعد أن حرص الاستعمار على شقهما، وفصلهما.


وُصِفَ "محمد كمال الدين صلاح"، رحمه الله، بأنه "ابن موت"، حيث تولى أصعب المهام في أحلك الظروف، إذ تم تعيينه في اليابان‏‏ إبان اشتعال الحرب اليابانية الصينية، ثم توجه إلى بيروت‏،‏ وقت اندلاع الحرب العالمية الثانية، حينها كانت حكومة "فيشي" تحتل لبنان وجيوش إنجلترا وفرنسا تتهيآن لغزوها‏.

خلال وجوده في لبنان، شارك المجاهدين العرب في تهريب زملائهم من قبضة الإنجليز في العراق وفلسطين وإيران، إلى بيروت، حتى طُلِب من الحكومة المصرية سحبه وإعادته إلى القاهرة بسبب نشاطه‏ الثوري.‏

بعد فترة عمل "كمال الدين" قنصلًا لمصر في مارسيليا عام 1954، وفي أبريل من نفس السنة تلقى قرارًا من الحكومة المصرية بنقل مهامه إلى الصومال.‏

والمعروف أنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبالرغم من مساعدة الصوماليين للحلفاء، فقد أبقت بريطانيا على سيطرتها على شطري الصومال البريطاني والإيطالي، كمحميتين بريطانيتين. وفي نوفمبر 1949 منحت الأمم المتحدة إيطاليا حق الوصاية على الصومال الإيطالي، ولكن تحت رقابة دولية، بشرط حصول الصومال الإيطالي على الاستقلال التام في غضون 10 سنوات فقط؛ في حين بقي الصومال البريطاني محمية بريطانية حتى عام 1960.

سعى الدبلوماسي الشاب لإحداث نقلة نوعية في الحياة الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية للصوماليين، ووضَعَ خططًا اقتصاديةً لإصلاح الصومال.

واكتشف أن الاستعمار الإيطالي وضع مناهج تعليمية تستهدف القضاء على اللغة العربية، وفتح المجال للتبشير، وإتاحة الفرصة لتغريب المجتمع الصومالي‏، بجعل اللغة الإيطالية هي الرسمية‏.

توجه الزعماء الشعبيون في الصومال إلى "كمال"، طالبين منه المساعدة في مواجهة خطر التبشير‏، مقترحين استدعاء بعثة علمية ودينية مصرية لتعليم أبنائهم اللغة والدين في مدارس الأحزاب واللجان الوطنية.

وبعد لقاء الزعيمين آدم عبدالله عثمان وعيدي نور، مع الرئيس جمال عبدالناصر في القاهرة‏، تم إنشاء مركز ثقافي في الصومال‏، يتكون من مدرسة ثانوية ومكتبة وعيادة خارجية‏ ودار للمعلمين‏‏ وسينما‏، مع المستلزمات اللازمة للمباني والأثاث‏، بعدها أرسلت مصر بعثة تعليمية مدنية ودينية تتكون من 19 معلمًا ومعلمةً، بجانب 7 من علماء الأزهر‏.‏

أكسبت هذه الخطوة القنصل المصري شعبية واسعة في مقديشيو، فيما رأت فيه السلطات الإيطالية مصدر إزعاج لها، ودفعها عجزها عن ملاحقته أو طرده، لمركزه القانوني كرجل دبلوماسي‏،‏ للتفكير في طريقة للتخلص منه، وتصفيته!

وواجه العديد من الأزمات، مثل: مشكلات الحدود، والعلاقات مع "الحبشة" (إثيوبيا)، ومحاولات تقسيم الصومال، والتفرقة العنصرية، وساندته في معاركه القوى الوطنية هناك، وزعماء العشائر.

ومن بين مواقفه أنه حينما أراد رئيس الإدارة الوصية أن يترأس الاحتفال بالمولد النبوي، قال كمال الدين للدكتور برنادلي مدير الشئون الداخلية: "عقيدتي كمسلم تمنعني أن أقبل أن يرأس شخص غير مسلم مهما كان مركزه، الاحتفال بذكرى نبي المسلمين".

وبعد تكوين أول حكومة صومالية، طالبت الإدارة بإبعاد المجلس الاستشاري كله من الصومال، بدعوى أنه لا معنى لوجوده مع وجود حكومة صومالية، فأدرك كمال الدين والزعماء أن الهدف هو إبعاد كمال الدين في صورة مقنعة جماعية، وبعث كمال الدين والزعماء الصوماليون بشكواهم ضد الإدارة إلى هيئة الأمم، فاضطرت منظمة الأمم المتحدة إلى إصدار قرار ببقاء المجلس الاستشاري حتى عام 1960.

كان المستعمر قد أحكم خطته، وفي 16 من أبريل 1957، وقبل من أذان المغرب في أحد أيام شهر رمضان، كان "كمال الدين" يعبر الشارع عائدًا إلى منزله في العاصمة، لتناول الإفطار، عندما فاجأه شخص بعدة طعنات، وحاول أحد الحراس تقديم الماء له، لكنه رفض قائلًا: "إني صائم".. ولحق بربه صائمًا، عن عمر يناهز 47 عامًا، وفي صباح اليوم التالي صبغت جريدة "بريد الصومال‏" صفحتها الأولى باللون الأسود، وعنونت عددها: "يوم حداد لصوماليا".

وبوصول جثمانه إلى القاهرة، قال عبدالناصر للوفد الصومالي المرافق: "إن لدينا 27 مليون كمال الدين صلاح‏،‏ وهم مستعدون للاستشهاد من أجل حرية الصومال"‏.‏

وقدم رئيس الجمعية الشرعية اقتراحًا لتكريم الفقيد باعتبار ‏16‏ أبريل من كل عام ذكرى له، مع إطلاق اسمه على أحد شوارع العاصمة‏.‏

وفي أول يوليو عام 1957 حكم بالحبس المؤبد على القاتل محمد شيخ عبد الرحمن، والإفراج عن باقي المتهمين لعدم ثبوت الجريمة عليهم.

وفي الذكرى الأولى لاستشهاده، قال رئيس الجمعية التشريعية: لم يكن محمد كمال الدين صديقًا مخلصًا وعضوًا فعالًا للصوماليين وللوطن فحسب بل كان مسلمًا غيورًا، ورجلًا ميالًا إلى العدل والإنصاف، وكان حبيبًا للجميع. وقال رئيس الوزراء عبد الله عيسى محمود: إن التعاليم التي تركها لنا عظيمة، ومن بينها الاستقامة في الحياة وفي الشئون العمومية، والحياة كما تعيش الشعوب الحرة، والحرية هي المصدر الوحيد للتقدم والرفاهية، إنها كانت، ولا تزال، أملنا في نشاطنا اليومي والحافز لنا على مواصلة تقدمنا في طريقنا.

وفي أبريل 1962، وجه رئيس الصومال دعوة لأمينة مراد، أرملة الشهيد، وأنجاله، لحضور الاحتفالية، فكان استقبالًا رائعًا لم تشهد العاصمة مثله، لابني الشهيد؛ فريد وليلى (زوجة أحمد أبو الغيط). وفي الاحتفال الكبير الذي أقيم بـ "مقدشوه"، تحدث جامع عبد الله غالب، رئيس الجمعية الوطنية الصومالية، قائلًا: إن الشهيد كمال شهيد النهضة السياسية في الصومال، بل قائدها منذ أن عين ممثلًا لبلاده في المجلس الاستشاري الصومالي عام 1954.. كان جنديًا مؤيدًا للحركات التحررية أينما قامت.

وعادت أسرة الشهيد إلى القاهرة حاملة معها قرار الحكومة الصومالية بمنحها الجنسية الشرفية.
الجريدة الرسمية