رئيس التحرير
عصام كامل

أمينة السعيد تكتب: علمتني الحياة

أمينة السعيد
أمينة السعيد
18 حجم الخط

في مجلة المجتمع العربى عام 1959 كتبت الصحفية أمينة السعيد مقالا قالت فيه:
كنت في السابعة عشرة من عمرى عندما دخلت كلية الآداب جامعة فؤاد الأول، وكان والدى على غير المألوف من أهل جيله رجلا تقدميا بكل ما فى هذه الكلمة من معان كريمة فاضلة.


تمتعنا في صغرنا بكثير من الحريات التي لم يكن يستمتع بها البنات إذ ذاك، وكان طبيعيا أن أمضى حياتى الجامعية على ما اعتدت من تحرر عظيم غير مبالية بتقاليد العهد الصارمة، فلم ألبث مثلا أن اشتريت مضربا للتنس ومارست به رياضتى الحبيبة وتدرجت في ذلك إلى الشيش فكنت أول مصرية تمسك السيف بيدها.

وآلمني أن أرى الطالبات حزبا والطلبة حزبا آخر فأقمت في بيتنا حفلات للتعارف بإشراف أبى بنفسه وحضرها بعض أساتذتي.
وقد اعتبروا تصرفى بدعا تشئ إلى الأسس الاجتماعية الوطنية فثارت نفوسهم ثورة شديدة وبدأت الزوابع تتجمع حولى وأنا لاهية عنها بحياتى الجامعية وابتعدت الزميلات عنى خوفا من أن ينالهن الأذى بصداقتى.

وكانوا ينتقدوننى علنا على مسمع منى، وقد أصابتنى هذه الثورة في الصميم، ولكنى لم أكن بطبعى جبانة لأتقهقر، ولم أكن خبيرة بشئون الحياة لأحسن تصرف الموقف.

اعتبرت الثورة تحديا من أسرة الجامعة فقبلت التحدى في غضب طائش فكنت أرد الصاع صاعين وأحيانا أبدأ بالعدوان لأنتقم لنفسى.
ناقشنى والدى في الأمر وقال في نهاية حديثه: ليس من عادتى أن أتحكم في أمرك ولكنى أحب أن تكونى على بينة من اتجاهاتى لتختارى طريقك من غير التباس، أنا أكره أن تكونى جبانة فيخيفك الهجوم، ولكنى أكره أن يضلك الغضب والتحدى فتخطئى سبيل العقل، وأؤكد لك أنك إذا فصلت من الجامعة مظلومة لأى سبب من الأسباب السخيفة فسوف أكافئك على الفصل بإرسالك إلى أرقى الجامعات الأوروبية تهتمين فيها تعليمك العالى.

أما إذا فصلت عن حق وكنت الملومة بخطأ صغير أو كبير فلن تنالى تعليما عاليا وسأبقيك في البيت جاهلة شأنك شأن ملايين الفتيات وهذه كلمتى الأولى والأخيرة فكرى فيها ثم اختارى ما يعجبك.

لم تلبث الغيوم أن انقشعت عن رأسى وتكشفت لى الحياة على حقائقها في جو جديد من الإيمان بالمبدأ والثقة بالنفس..أراجع كل خطوة قبل أن أخطوها حتى لا أخرج عن سبيل الحق.
الجريدة الرسمية