رئيس التحرير
عصام كامل

محمود السعدني يكتب: مرحومة يا أيام الشباب

محمود السعدنى
محمود السعدنى
18 حجم الخط

في مجلة صباح الخير عام 1967 كتب الصحفى الساخر محمود السعدنى مقالا قال فيه: "هأنذا الآن على عتبة الشيخوخة، وقد حققت أغلب ما كنت أرجو وأتمنى. مرحومة أيام الشباب، فقد ولت من بين أصابعى دون أن أدرى، مرحوم الكاتب العظيم "كافكا" حين قال (لقد دفعت دفعا من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الكهولة دون أن أمر بالشباب).


أتمنى على الله ولا يكتر على الله أن يصدر قرار استثنائى بأن يظل بعض الناس الطيبين أحياء إلى آخر الزمان بشرط أن أكون واحد منهم.. إن لم يكن هذا في الإمكان فعلى الأقل أكون آخر من يموت من أصدقائي وأعدائي على السواء.

إذ إننى أخشى أن يحملنى الأصدقاء يوما ليقذفوا بى في حفرة ثم يسهرون في المساء في بار سيسيل يرددون نكاتى وقفشاتى ومشاغباتى معهم. لقد نصحنى صديقى إحسان عبد القدوس مرة أن أموت في عز شبابى، لأنى عندئذ أضمن ألوف المشيعين ومئات الباكين وعشرات المقالات وملايين الكلمات التي يكتبها الأصدقاء عنى.

وهى شورة مهببة سألت الله ألا يحققها إذ إننى أتمنى أن أعيش إلى أرذل العمر، ولو أدى الأمر إلى أن أموت دون ضجة، وأدفن بدون احتفال، ولا يأتى ذكرى في جريدة، ولا ينقش اسمى في كتاب. إذ مرحبا بالصياعة والضياعة وقلة القيمة وأنا حى أرزق.. وبئس المجد والشهرة وأنا أتمدد جيفة في قبرى.

إن شيال في محطة مصر أفضل ألف مرة من ملك ميت في مقابر الحلفاء وعبده السمكرى حى أفضل من عباس العقاد ميت. وأنا حى خير من أنا ميت، وأنا أعتقد أن كل الناس على شاكلتى لكنهم يدارون ذلك، كلهم يخافون الموت، لكنهم جميعا يجعجعون بأنهم مستعدون للقائه.

وكلما امتد العمر بالإنسان.. كلما اشتد حرصه على الحياة واشتد تشبثه بالدنيا. أنا من هنا وإلى التسعين إن شاء الله سأكون أكثر حرصا على صدرى من نزلات البرد، وأكثر حكمة في قيادة السيارة، وأقل مجهودا في عملى، وسأنشر من المقالات ما يضمن لى عدم رفدى لأن الصياعة صعبة في الشيخوخة.
الجريدة الرسمية