رئيس التحرير
عصام كامل

وما زالوا يسألون!


في مثل هذا الوقت من أربع سنوات كتبت مقالا بعنوان "يسألون عن!"، جاء فيه (الجميع يسأل الجميع ولا توجد إجابة واضحة وشافية عند أحد، والجميع يعرف أن للأسئلة أجوبة واضحة لكن أحد لا يستطيع تفسيرها، ولأننا نعيش مرحلة الأسئلة الصعبة لا أملك غير محاولة الإجابة عن بعضها باختصار غير مخل وبلا ملل..


- يسألونك عن الأخلاق.. قل (إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا)، ونحن بلا فخر ذهبت أخلاقنا منذ 25 يناير ولم تعد حتى الآن، وأظن أنها لن تعود قريبا!

- ويسألونك عن الوطنية والانتماء.. قل تراجعا مع تراجع دور المدرسة والمعلم واختفاء مناهج التربية الوطنية وتقديم التاريخ حسب الهوى والمزاج ومع تدهور حال الثقافة واهتمام المثقفون بأشياء أخرى كالمال والمناصب وركوب موجة الفهلوة وشهوة الكلام!

- ويسألونك عن المدارس.. قل كثير منها شكل بلا مضمون كل يوم يذهب إليها التلاميذ والطلبة ويعودون إلى بيوتهم بلا تعليم أو نشاط رياضي أو ثقافي أو حتى تدبير منزلي!

- ويسألونك عن العنف في المدارس.. قل أصبح ظاهرة تحتاج إلى دراسة وحلول لها علاقة بإعادة تأهيل وصياغة البشر!

- ويسألونك عن هيبة المدرس أو المعلم -كما أحب أن يطلق عليه- قل ضاعت عندما قرر أن يدخر جهده وعلمه ليعطيهما لطلبته في الدرس الخصوصي ففقد احترام طالب الفصل وتجرأ عليه طالب الدرس الخصوصي الذي يدفع له ثمن الحصة وكسر عينه!

- ويسألونك عن البطالة في فئات من المجتمع دون غيرها.. قل بسبب تعدد أنواع التعليم في البلاد مثل التعليم الحكومي الذي لا يقدم تعليما، والتعليم التجريبي الذي صار مثل التعليم الحكومي، والتعليم في المدارس الإسلامية (الإخوانية) التي تقدم تعليما فيه من التطرف والأفكار التي تطمس الهوية الوطنية الكثير!

- ويسألونك عن صحة المصريين.. قل من يملك المال يستطيع علاج نفسه ومن لا يملك المال يظل مريضا حتى يفارق الحياة وإن كتب الله له الحياة يعيشها عليلا معلولا!

- ويسألونك عن القانون.. قل هو غالبا في إجازة ويتم استدعاؤه عند الطلب والضرورة.. فهناك قانون للأغنياء وهناك قانون للفقراء والغلابة ولذلك تجد السجون تعج بالغارمات والغارمين بسبب ملاليم، وتجد الفنادق الكبرى والقرى السياحية والتجمعات السكنية الفاخرة تعج بأصحاب الملايين بسبب السلطة أو القرب منها!

- ويسألونك عن الإعلام الخاص.. قل يبحث في كثير من قضايا المسخ الفكري والإثارة أكثر مما يبحث في قضايا الوطن من خلال أجندات متنوعة!

- ويسألونك عن مشايخ هذا الزمان.. قل بعضهم كانوا من أصحاب غزوة الصناديق، واستفتاء الجنة والنار، وهؤلاء ظنوا أن الدنيا دانت لهم وأن العباد لاذوا بهم لذلك يسعى إليهم الإعلام وتلهث وراءهم الكاميرات، والبعض الآخر مشايخ ثقات يجادلون بالتي هي أحسن لذلك لا تراهم الفضائيات!

هذا قليل من كثير نسأل به أنفسنا كل صباح ومساء وكلنا نعرف السبب فيما وصلنا إليه ومع ذلك تظل علامات الاستفهام كما هي لا تترك مكانها ونظل نحن ننتظر الأجوبة التي لا تأتي أبدا!

منذ أربع سنوات كانت تلك بعض إجاباتي عن هذه الأسئلة التي كانت تطرح نفسها بقوة على الساحة في وقت كان الوطن فيه مختطفا، وكانت الدولة تقاوم المحاولات المستميتة لإسقاطها، وأظن -وليس كل الظن إثم– أن بعض الإجابات قد تغيرت بينما لم تتغير إجابات أخرى..

فالإعلام الخاص كما هو يبحث بعضه في الموضوعات السطحية، ويسطح بعضه القضايا المهمة، وصحة المصريين كما هي في خطر حيث يستطيع العلاج من يملك المال بينما لا يستطيعه الفقراء، ومشايخنا ما زالوا في جدل لا ينتهي حول من يملك صحة القول وعمق الفهم وخطاب العقل، والأخلاق ما زالت في رحلة العودة ولم تصل بعد، والتعليم ما زال يبحث عن رؤية ومجري يسير فيه له ضفاف واضحة!

أما القانون فقد بدأ يعود لكن بخطوات حثيثة ورأينا خلف القضبان الوزير والمحافظ ونائب المحافظ والقاضي والضابط وكل من تصور أنه بعيدا عن المسائلة، ونتابع مواجهة كبيرة مع الفساد لم نكن نتخيل حدوثها في زمن سابق، ومع ذلك ننتظر المزيد في ملاحقة الفساد والفاسدين.

عملية بناء الدولة الحديثة القوية بدأت ولن تتوقف، وأتمنى في السنوات الأربع القادمة أن نجد أجوبة للأسئلة الباقية وأن يكون الانحياز كبيرا للشعب الذي صبر وما زال، والذي عانى وما زال، والذي ينتظر جني ثمار البذرة التي زرعها ورواها بعرقه ودمه.

الجريدة الرسمية