مصر الحلوة..«عم السيد» مسلم يصنع توابيت موتى الأقباط.. الأرمن والأتراك بدءوا التعامل مع جده.. نحت صورة العذراء والسيد المسيح بداية «الشغل»..ويكشف كواليس شهرته في أنحاء المحروسة
منذ فجر التاريخ كانت مصر مهدا للحضارات وملتقى لكل الأديان على أرضها عاش اليهود والنصارى والمسلمون، وانصهر الجميع في بوتقة واحدة ولم تنجح المحاولات الخبيثة في شق صف الأمة، ولسنوات طويلة ظلت العلاقة المميزة التي تربط بين المسلمين والأقباط مثار تساؤلات كثيرة في الغرب، بعد الجهود المضنية التي بذلتها مخابرات دول كبرى في إحداث فتنة طائفية في مصر لكنها لم تجد سوى المزيد من التكاتف.
أحد أوجه التكاتف والتعايش التي تكشف عمق العلاقة بين مسلمى مصر ومسيحييها ما يحدث داخل ورشة عم السيد المسلم، الذي يتولى صناعة توابيت موتى الأقباط بمدينة الإسكندرية.
توابيت الموتى
“بنحت صورة العذراء وصورة السيد المسيح وبإيدي برسم الصليب، وأجمع خشب التابوت وأفضل أدهن وألمع فيه، وأبطنه بقماش حرير وسفنج وأجهزة للبيع”.. هكذا بدأ عم السيد محمد على الشامى، أقدم نجار متخصص في صناعة توابيت الموتى الأقباط، حديثه عن مهنته التي توارثها عن أبيه وجده وتربى على رزقها، حتى أصبح أمهر صانع توابيت في مدينة الإسكندرية، بل يعد المسلم الوحيد الذي يصنع توابيت الأقباط.
انتقلت “فيتو” إلى ورشة “عم السيد” بإحدى المناطق الشعبية في قلب الإسكندرية، لتوثق مراحل صناعة تابوت دفن الموتى الأقباط، منذ البدء في تجميع الأخشاب ثم دهنه ثم وضع الزينة عليه من الخارج، وصولا إلى شكله النهائي كتابوت مجهز لدفن المتوفى.
قرن كامل
يتذكر عم السيد تفاصيل الرحلة: “بدأنا في العمل بتلك المهنة منذ عام 1917، أي ما يزيد على قرن كامل من الزمان، البداية كانت مع جدي الأكبر، حيث كان يعمل مساعد نجار مع الأرمن والشوام الذين كانوا يعيشون في الإسكندرية من زمن بعيد، وتعلم المهنة بتفاصيلها، ولما ترك الأرمن والشوام الإسكندرية وعادوا إلى بلادهم، بدأ جدي في العمل مكانهم، وتوارثناها جيلا بعد جيل، حتى أصبحنا أقدم من عملوا بتلك المهنة، واشتهرنا نحن كمسلمين نعمل من أجل الأقباط.
وأضاف: “على الرغم من أنني مسلم فإنني معروف عنى لدى كل الأقباط وجميع الكنائس بإجادة صناعة التابوت، بجانب إجادتي لنحت صورة العذراء وصورة السيد المسيح، وكذلك تصميم ورسم الصليب، وأغلب الكنائس داخل الإسكندرية وخارجها يفضلون التعامل معي”.
وأوضح عم السيد مراحل صناعة التابوت قائلا: “البداية تكون بتحديد نوع الخشب الذي ترغب فيه، حيث يمكن صناعة التابوت بكل أنواع الخشب، لكنَّ هناك أنواعًا مفضلة وغالية الثمن، نبدأ بعد ذلك بتقطيع الأخشاب وتجميعها وتصميم شكل التابوت، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة سنفرة الخشب، وتجهيزها للدهان والتلميع على الشكل واللون النهائي الذي يحدده الراغب في الشراء، سواء اختار أن يكون لون التابوت أبيض أو غير ذلك من الألوان، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة تبطين التابوت من الداخل ويكون بواسطة مادة الإسفنج وقماش من الحرير، ووضع وسادة للمتوفي بداخل التابوت”.
وتابع عم السيد: «تختلف أسعار التوابيت بحسب نوع الخشب والحلى المثبتة عليه، فهناك تابوت يبدأ بـ 500 جنيه، وآخر يصل إلى 10 آلاف جنيه، مؤكدًا أن علاقتنا بالأقباط علاقة قوية مبنية على الحب والثقة والأخوة، ودائما مع بعضنا موجودون في كل المناسبات سواء مناسبة سارة أو غير ذلك».
نقلًا عن العدد الورقي...
