رحلة الـ٧ ساعات في سيارة الإسعاف.. "موسى" يرافق خاله من بئر العبد لمعهد ناصر
وجوه تتشابه وملابس تبدو نسخ مكررة من بعضها، في كل طابق من طوابق المستشفى، تجدهم يتخذون أحد الأركان مأوى لهم، الشعور بالغربة يكتنفهم إلى حد كبير، "أنا معرفش حد وأول مرة أزور القاهرة يكون علشان أشوف ابني اللي بيموت"، هكذا يتحدث أحد "أهالي العريش" لممرضة تسأله لماذا يجلس هكذا على الأرض رغم وجود مقاعد فارغة، تتشابه رحلة أهالي مصابي حادث الروضة بالعريش إلى القاهرة مثلما تتشابه ملامحهم وأصواتهم وأعمامهم البنية، معظمهم لم يطأ أرضها من قبل، تائهين هائمين على وجوههم.
رحلة موسى مع خاله في سيارة الإسعاف
" أول لما وصلنا قالولنا إن محمد مات وخالى منصور في حالة خطيرة ولازم يتنقل للمستشفى"، يحكى والحزن يغلب على نبراته السيناوية مكررا العبارات نفسها، كأنه لا يتذكر إلا هي.
منصور زيد منصور.. فرد أمن بسيط بإحدى شركات الغاز الطبيعي لم يتعد عمره الخامسة والخمسين، ولد وعاش بين أرجاء قرية الروضة بالعريش ولم يبغ من الدنيا شيئًا سوى حياة كريمة له ولأسرته البسيطة، وهبه الله اثنين من الأبناء محمد، وسلامة، كلاهما لم يكمل تعليمهما وفضلا اكتساب صنعة وحرفة وأصبحا من أمهر "الصنايعية" في القرية. في يوم الجمعة خرج ثلاثتهم كعادتهم لأداء فرض الله في مسجد القرية والشعور بالأمان راسخ بداخلهم بالرغم من التهاب الأجواء في المناطق المحيطة بهم، فهم في بيت الله ويؤدون فريضته، ولم يكن الأب أو الأبناء يعلمون أنهم على موعد مع فاجعة ستضرب أسرتهم البسيطة وتقلب حياتهم وحياة قريتهم بأكملها رأسًا على عقب، "محمد مات في الحال وخالي منصور اتصاب في قدمه اليسرى"، يتحدث ابن أخيه.
السبع ساعات
" كنت جنبه طول الطريق كل شوية يفوق مفزوع وينام تاني.. اتكلم شوية عن الناس اللي ضربوه كلام غير مفهوم"، منذ وقوع الحادث وأخبار موسى عما حدث لخاله وابنه، هرع نحو سيارات نقل الجثث يبحث عنه بين الملابس الملطخة بالدماء فلم يجده، ولأنهم هناك جميعا أبناء عمومة، أخبره أحدهم أن خاله منصور في إحدى سيارات الإسعاف، "حلفت إن محدش هيروح معاه غيري، لو حتى هنروح آخر الدنيا"، استقل سلامة سيارة الإسعاف وانطلقت نحو وجهتها في بئر العبد ثم إلى "الإسماعيلية"، ظلت يده ممسكة بيد خاله الذي يهذي من قسوة ما عانى، حتى وصلت السيارة مستشفى الإسماعيلية الجامعي، "الدنيا كانت زحمة ومفيش سراير، المرضى كتير والدنيا كأنها يوم الحشر، نص ساعة وخالي بينزف وأنا مش عارف غير إني أبكي وادعيله، لحد ما دكتور قالهم انقلوه معهد ناصر في القاهرة"، لم يكن الطريق سهلًا ومرت الساعات كأيام، فموسى الذي كان يمكث بجانب منصور في الإسعاف يحكى عن حالة الفزع التي أصابته، والتي لم تغادره بالرغم من أنه لم يكن في كامل وعيه.
أذان العشاء يصدح في أجواء السيارة، ومازالت يد موسى تربت على خاله، دلفت السيارة القاهرة في السابعة مساء، "خبطوا علينا من الزجاج وقالوا لنا استعدوا وصلنا، كانت أول مرة أشوف القاهرة في حياتي".
في هذه اللحظة فقد موسى خاله وظل طوال الليل يبحث عنه، "ناس ولاد حلال عندهم مريض في الدور الثالث أدوني بطانية ومصلية وأكل، ومن وقتها وأنا قاعد هنا".
"من شوية سمحولي أشوفه، بيسأل كل فترة عن ابنه اللي مات كذبنا عليه وقولناله إنه في مستشفى بير العبد"، ضُمدت جراح منصور ولكن جراح نفسه لم تندمل بعد، فبالرغم من استقرار حالته وابتعادها عن الخطر إلا أن ثمة خطرا آخر يلوح في الأفق حينما يتم إخباره بالنبأ الأليم، بأنه فقد قرة عينه الأكبر، "محمد كان ذراع خالي اليمين.. الله يرحمه ويسلمنا ويرجعنا لسينا على خير".

