رئيس التحرير
عصام كامل

يوسف إدريس يكتب: دعونا نبكي

فيتو
18 حجم الخط

في كتابه "خلو البال" نشر الدكتور الأديب يوسف إدريس مجموعة مقالات منها مقال كتبه بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1971 ونشرته جريدة الأهرام في يوم الجنازة قال فيه:


"يا أبانا الذي في الأرض، يا صدرنا الكبير الحنون الذي كنا في ظله نكتب ونخطئ وننتج ونكبت ونصرخ ونتدلل ونحارب ونثور.. يا أكبر من حملت به مصر وأنجبه العرب، يا من فاجأتنا جميعا بثورتك.. أكان لا بد أيضا أن تفاجئنا بموتك".

وتابع: "الحفاة والعراة خرجوا ساعة النبأ يشقون ثيابا لا يملكون غيرها، ويلطمون خدودا ضامرة.. أولئك الذين لم تشملهم الثورة بعد، وكان لهم الأمل فكنت أنت الأمل.. لكن غاب الأمل، مات الأمل وأصبحت الدنيا لأول مرة بلا عبد الناصر، ونحن لم نتعود أبدا أن نتنفس هواء يتنفسه هو، ولا أن ننام إلا ونحن نحس أنه هناك في كوبري القبة، ولا أن نستقبل الصباح إلا على صورة له، وابتسامته وجهد مخلص آخر في سبيلنا وفي سبيل العرب".

وأضاف: "الموت.. أيها الموت يا من هزمتنا بما لم يستطع الأعداء، أرادوا النيل منك لينالوا منا، فوقفنا جميعا كالحائط المرصوص نحميك.. لكن ماذا أقول.. أقول إننا سنمضي على دربك الثائر أقوياء معتزين أنك أول من سار فينا ونحن أول من تبعك، لكن ماذا نفعل إزاء الموت، كيف نمنعه عنك وقد انقض عليك كالغادر يخطتفك ويسلب روحك، ونحن حولك عاجزون حيارى مذهولون".

وواصل الأديب في مقاله قائلا: "أقول إذا كان جمال عبد الناصر الجسد قد مات فإن عبد الناصر الروح والشعب كما قال الحفاة لا يموت.. وما فائدة هذا الكلام كله؟.. أقول للعزاء، أقول لأخفف الكارثة، ولكني لا أريد أن أخفف من الكارثة، بل أريد أن نعيشها بكل ذرة فينا.. أريد أن يخلى بيننا جميعا وبين الحزن على عبد الناصر، فنظل نحزن عليه كما نشاء، ونبكيه كما نشاء، ونعذب أنفسنا بالفجيعة فيه كما نشاء.. لقد وقع أخيرا الحادث الجلل، ونعى الناعي حبيبنا عبد الناصر".
الجريدة الرسمية