رئيس التحرير
عصام كامل

عفاريت عدلي علام والأجهزة السيادية


أستعجب كثيرًا لأن أحدًا لم يفطن للإسقاط السياسي لمسلسل عادل إمام وهو عفاريت عدلي علام رغم أنه يحمل رسالة سياسية دسمة المحتوى من وجهة نظري في طرح لمشكلات مصر من اقتصاد وسياسة وأوضاع اجتماعية ملتبسة وتسليطه الضوء على قضية الفساد.


إن عفريتة عدلي علام هي إشارة لأجهزة الدولة السيادية (الضمير الوطني) التي ترغب في كسر الفساد وتغيير الواقع المؤلم فاختارت المواطن البسيط المثقف الطيب وربما الفاشل بمعايير المجتمع الفاسد في حرب ضد الفساد ودعمه من أجل الحق.. ولكن يختتم المسلسل برسالة عدلي عندما اختير رئيسًا للوزراء بأن حال البلد لن ينصلح إلا بإعطاء الفرصة لشبابها ومنحهم الثقة لأنهم أصحاب المصلحة الحقيقيين في بناء الوطن مع تطهير الفساد، وانتهى المسلسل بأن يعود عدلي لحياته القديمة الحقيرة كشخص بائس فاشل لم يحقق ما حلم به ولم ينجح في حربه ضد الشر.. ولكننا نعلم أن الشر يومًا سينكسر.

ولكن لماذا فشل عدلي علام؟!

هذا هو السؤال الأهم وقد وضع المؤلف يوسف معاطي يده على الكثير من الأوجاع والآلام والصراعات التي أحاطت بالعفريتة إلى حرب النفس البشرية لعدلي.. الخير والشر حيث تغلغل الفساد لدرجة أصبح فيها المجتمع بأكمله فاسد ولا أحد يدعي الفضيلة.. ولكن مادام هناك مواطن وعفريتة رغبا في التغيير فمازال هناك أمل.

والرسالة الأخيرة جاءت لتنبه المجتمع هي أدق أسباب فشل عدلي وهو اختفاء الشباب من المشهد.. الشباب الذي لا يرتبط بمنظومة الفساد.. أرى الشباب الذي هجر الوطن إلى جامعات ومراكز أبحاث وشركات الغرب بحثا عن حياة كريمة بلا اضطرار للفساد.. والفساد موجود في كل الدول ولكنه في مصر أصبح الخيار الأوحد للنجاح بل إنه أصبح من دواعي الفخر وبنى لنفسه قواعد ومثلا عليا.. أصبحنا نتجرعه وندمنه، وأكررها: كلنا فاسدون ولو بدرجات بدءًا من عدلي علام إلى كل شخصيات المسلسل.

رغم حرب الدولة على الفساد ولكنها لم تأخذ شكل الخطوات الاستراتيجية لكسر المنظومة وترويضها في إطارها المقبول لتؤمن مسارات تنمية حقيقية للإنتاج بالعمل والإبداع.. لذا نحتاج خطوات تضع منظومة الفساد في إطارها الطبيعي كيلا تطغى على الخير، وأؤكد أن القضاء على الفساد تمامًا هو خيال وعند التعامل مع هذه القضية يجب إدراك أن الدراسات العلمية تدرك أن الفساد قد يكون داعما للنمو الاقتصادي، ما لم يتخط نسبًا محددة سابقًا.. ولكن إن استشرى يأكل كل نسب النمو المحققة.. وقد نجحت نظم سابقة في ترويض الفساد منهجيًا نحو التنمية، أما اليوم فإن الفساد يزداد شراسة وجنونا في حرب الدولة ضده؛ لأن الحرب لم تصل إلى قلبه وإنما قطعت بعض أوصاله الأخطبوطية المتشعبة فيبحث عن حلول وجحور.. مع وجود قبول مجتمعي للفساد وأصبح جزءًا من نمط الحياة المصري.

المسلسل يقر أن عدلي وعفريته لن يستطيعوا تحقيق أكثر مما حققوه في ظل الظروف المعقدة للمجتمع.. ولكنه ألقى ببقعة ضوء للأمل في الشباب الوطني المبدع وليس الخامل.. الشباب المخلص وليس المرتبط بالفاسدين.. الشباب الذي يهاجر وسيُصبِح يوما أحد ٨٦٠٠٠ عالم مصري بالمهجر منهم ٤٢ يشغلون منصب رئيس جامعة في أهم جامعات عالمية.. بالإضافة إلى ٨٥٠٠٠٠ خبير في العلوم التطبيقية، حيث تحتل مصر المركز الأول عالميا في هذا الصدد رغم أن مصر تحتل المرتبة ١٣٩ في جودة التعليم بين ١٤٠ دولة.. ولكن هناك أمل ومقومات في أن تكون من أفضل 10 دول.. بخطة جريئة تصنع الأمل لدى المواطن.

إن إدارة التغيير هي منهج علمي يمكن تطويعه لتحقيق تجربة نجاح وطنية تستطيع تغيير مجتمع انغمس في الفساد والجهل، ولكن إذا أخذنا التوازنات في الحسبان فإن كل التوازنات المتناقضة والقوى تكبل تقدم مصر يدعمها في ذلك قوى داخلية وخارجية لتظل مصر في مصاف دول العالم الثالث.

...إن المسلسل يحكي واقعًا ولكنه يطرح أملا في الضمير الوطني مادمنا نفكر وندرك الداء الذي هو أولى خطوات العلاج مما يعانيه الوطن ومازالت هناك إرادة لردع الشر.
الجريدة الرسمية