الكل باعوك يا أكمل!
المهندس أكمل قرطام الذي ملأ الدنيا صخبًا لأن الحكومة هدمت ليلًا قصره المنيف على ضفاف نيل يرزح تحت نير الاعتداء، لا يزال يعاني من فجوة بين ما يقول وتفاعل الآخرين معه، آخر مَن تركه وحيدًا شريدًا في مناحته التي بدأها، ويبدو أنه لن يتوقف عنها، التيار المدني الذي سحب بيان تضامنه معه مع اعتذار واجب للجماهير.
والسؤال لأكمل: ما الذي جعل الكل يبيعونك في لحظة فارقة أمام مصابك الأليم في القصر الذي كانت تتولى إدارة فنون الديكور فيه شركة فرنسية أنفقت عليها ملايين الجنيهات؟ ولماذا ترككَ الأصدقاء والفرقاء ولم يتعاطف معك عامة الناس الذين يهيمون على وجوههم آناء الليل وأطراف النهار لينالوا سترًا في المعدة قبل الدار؟
أغلب الظن أن قضية القصر المنيف المطل على نيل كان الاعتداء عليه خطيئة في عصر الفرعون الذي ظلم نفسه وقومه، وأمرهم أن يعبدوه -هذه القضية- ليست من ذلك النوع الذي يدفع الجماهير للتدافع تظاهرًا من أجل قصر فرنسي الطراز وصاحبه ذي مزاج غربي الهوى والوجهة.
وانصراف الناس عن أكمل قرطام ليس لعلة الحقد الطبقي، فقد عرف المصريون أغنياء كثرًا وتعاطفوا مع قضاياهم وانفعلوا بمعاناتهم ضد السلطان عندما كانت المعاناة ضمن حقوق واضحة ونضال سابق، وعندما آمنت الجماهير أن هؤلاء الأغنياء إنما صعدوا إلى مراتب الثراء بعمل وجهد وصبر وبناء.
وليس هذا معناه أن أكمل وصل إلى ثرائه من أبواب خلفية، لا سمح الله، فهذا ما لا نعرفه وليس لدينا ما يثبت ذلك، ولكن المغزى والمعنى في انصراف الناس من رفاقه وأصدقائه وحوارييه أن الرجل خرج على العامة بصورة المظلوم رغم أن معاناته مسألة قانونية بحتة، موضع الاعتراض فيها والاحتجاج ساحات المحاكم.
وظهر على السطح فريق عمل متخصص في وسائل التواصل الاجتماعي قال قولة الخطيئة التي جعلت الناس تستفيق، حاول فريق الإعلام الاجتماعي أن يصور أمر إزالة قصر أكمل على أنه عقوبة بسبب مواقف قرطام المعارضة ضد النظام، وهو القول الذي استنفر طاقات الجماهير.
ابن السيد أكمل قرطام وصل إلى عضوية مجلس النواب وفق انتخابات قال كثيرون إنها لم تكن نزيهة، ولو أن السيد قرطام بعيد عن السلطة بهذا الشكل المرسوم إعلاميًّا لما كان الشاب وصل إلى ما لم يصل إليه أبوه في انتخابات سابقة سقط فيها بالثلاثة في انتخابات أكثر شفافية ونزاهة.
ومن باب ذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، ونظن "أكمل" منهم، ومعظم الظن ليس بإثم، نذكر سيادته بقصة لم يكن هو طرفًا فيها ولا تخصه، ولكنها تقع تحت عنوان "ذكِّر"، وتتلخص القصة التي نرويها ونعاود تذكر تفاصيلها المخجلة، والتي لو وقعت في بلد يحاسب لطال الحساب حتى وصل إلى أقرب مما تتصور.
وكان يا ما كان في سالف العصر وقديم الزمان أن رجلًا مفكرًا ذا قيمة تلقى اتصالًا من أحد العسس يطلبه للقاء في دار العسس التي تسكنها أشباح الخوف، ولم يكن لدى الرجل من الشجاعة ما يجعله قادرًا على الرفض أو المناقشة أو حتى السؤال عن سبب الاستدعاء.
ذهب الرجل مستسلمًا لما تأتي به الأقدار، وفوجئ بأن زعيم العسس يأمره بإعادة خمسة ملايين من الدراهم كان الرجل قد حصل عليها بعرقه وعمله مع أحد كبار القوم، غير أن هذا الكبير صغر فجأة وأراد استرجاع دراهمه رغمًا عن الرجل مستغلًّا علاقته بكبير العسس.
أراد الرجل أن يشرح أن هذا ماله الذي عمل به طوال سنوات خمس لدى الكبير الذي صغر فجأة، ولكن بطش كبير العسس كان شديدًا، وكان وعيده وتهديده أكبر من طاقة المفكر الأعزل، فسقط مغشيًا عليه، بالطبع أفاقوه بطرقهم اللعينة وأعادوه إلى منزله محمولًا على وعد أن يأتيهم في الغد بما طلبوا.
باع الرجل ما كان لديه ورهن ممتلكات أخرى في يوم وليلة، وذهب حيث الموعد وسلم الملايين الخمسة من الدراهم، وقبل أن يغادر فوجئ بكبير العسس يأمره أن يقبل يد الكبير ويقبل يد ابن الكبير كنوع من الإهانة وإمعان الظلم، فعل الرجل وغادر إلى ربه.
ومرت الأيام والسنون، ولأن رب العدل لا يرضى بالظلم بعث على الكبير رجالًا أشداء أقوياء نالوا منه وأمعنوا في قهره أمام الناس وجعلوه مثالًا، وبينما يبكي الكبير الذي صغر فجأة ويولول مثل الأرامل لم يجد أحدًا يتعاطف معه أو يقف بجواره أو يناصره، فكيف يناصرون ظالمًا؟
وفي أسابيع قادمة سنروي لأكمل وكل أكمل قصصًا من أزمان غابرة وعصور سالفة ما يجعله وقومه راضين مرضيين، وقبل هذا وذاك صامتون.





