رئيس التحرير
عصام كامل

بعد أزمته الأخيرة، المعهد القومي للبحوث الفلكية أقدم مؤسسة بحثية في أفريقيا (بروفايل)

المعهد القومي للبحوث
المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، فيتو
18 حجم الخط

نشر المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "الفيس بوك"، لمحة تاريخية عن نشأة المعهد وذلك بعد تعرضه لأزمة إدارية لخلو منصب رئيس المعهد لمدة زادت عن ثلاث أشهر مما أدى إلى تعطل صرف الحوافز وتعطل الاعتمادات الخاصة بالمشروعات البحثية.


وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية ليس مبنى إداريًّا، بل هو شبكة عقول وطنية تعمل بتكامل ومنظومة تبدأ من أعماق الفضاء وتنتهي في جذور الأرض تسهر ليلًا لترصد النجوم والحطام الفضائي، وتعمل نهارًا لتأمين القشرة الأرضية وحماية المشروعات القومية.

وشهد المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بحلوان، أحد أعرق المؤسسات العلمية والبحثية في مصر والشرق الأوسط، التابع لـ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، حالة من الفراغ الإداري منذ الثالث من مارس 2026، وذلك عقب خلو منصب رئيس المعهد دون صدور قرار رسمي بتعيين رئيس جديد أو تكليف قائم بالأعمال يتمتع بالصلاحيات الإدارية والمالية اللازمة لإدارة شؤون المؤسسة.

بعدها أصدر الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، قرارًا بندب الدكتور باسم سيد نبوي إبراهيم، الأستاذ الباحث بالمركز القومي للبحوث، لتسيير أعمال رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية.
 

كل ما تريد معرفته عن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزقيقة

والمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية مؤسسة ولدت مع الدولة المصرية الحديثة، وتستمر كركيزة أساسية ضمن المؤسسات المصرية التي تبني مستقبل مصر.


والمعهد هو أقدم مؤسسة بحثية في أفريقيا والشرق الأوسط، وأحد أبرز مواقع التراث العالمي في مجالات العلوم والتكنولوجيا، حيث يمتد تاريخه لأكثر من 187 عامًا من الإنجازات التي شكلت جزءًا من تاريخ مصر الحديث ومستقبلها ضمن رؤية 2030.

مر المعهد بثلاث محطات تاريخية رئيسية شكلت وعي الدولة المصرية بأهمية البحث العلمي، المحطة الأولى مرصد بولاق، حيث أصدر والي مصر "محمد علي باشا" قرارًا بإنشاء المرصد عام 1839، واكتمل تشغيله الفعلي كمرصد علمي متكامل عام 1845. لم يكن الهدف حينها اكتشاف الفضاء العميق، بل كان مرتبطًا إستراتيجيًّا بضبط الزمن، وحساب المساحات، ورسم الخرائط العسكرية والمدنية.

وكان اختيار "بولاق" كان قرارًا لوجستيًّا وجغرافيًّا عبقريًّا، فقد كانت الميناء النهري الرئيسي مما سهل استقبال الأجهزة الحساسة من أوروبا بأمان, كما كانت حاضنة العلوم الحديثة بجوار مدرسة المهندسخانة والترسانة, ووفرت ضفة النيل الشرقية أفقًا غربيًا مكشوفًا وسماء خالية من التلوث، وهو شرط حتمي لإجراء قياسات "خط الزوال" الدقيقة.

ضم المرصد ترسانة من أدوات القياس الدقيقة، شملت التلسكوبات النحاسية الكاسرة، وأجهزة العبور لتحديد الوقت. واعتمد على أدوات قياس زمنية عبقرية، أهمها "الكرونومترات البحرية" التي استخدمها المهندسون في قوافل الجمال عبر الصحاري لحساب خطوط الطول ورسم خرائط الدولة، و"الساعات الفلكية" البندولية الضخمة لتسجيل وقت عبور النجوم. كما احتفظ المرصد بـ "الساعات المائية" التاريخية (Clepsydra) لدراستها واستخدامها كمرجع فيزيائي لضبط الوقت.

 

أما المحطة الثانية فهي المرصد الخديوي بالعباسية (1868) فمع البدايات الجيوفيزيائية.


مع تحول بولاق إلى قلعة صناعية وازدياد أدخنة المصانع، انتقل المرصد إلى صحراء العباسية هربًا من التلوث، تحت إدارة قامات علمية مثل "محمود باشا الفلكي".

لم يكن مرصد العباسية مجرد محطة، بل شهد نقلة نوعية؛ حيث أُسست فيه محطة أرصاد جوية ذات تسجيل ذاتي، واستُخدمت أجهزة جيوديسية فرنسية لرسم أدق خريطة للقطر المصري. وفي عام 1889، سجل المرصد البداية الحقيقية والرسمية للقياسات الزلزالية في مصر. ولكن، مع امتداد الزحف العمراني ودخول "خطوط الترام الكهربائية"، أثرت الاهتزازات بشدة على دقة التلسكوبات وأجهزة الرصد، فكان لزامًا الانتقال مجددًا.

اما المحطة الثالثة مرصد حلوان (1903) فهي العصر الذهبي للفلك المصري حيث وقع الاختيار على هضبة حلوان لكونها مشتى عالميًا يمتاز بجو جاف وسماء صافية في عام 1905، استقبل المرصد "تلسكوب رينولدز" بقطر 30 بوصة، ليكون الأكبر في أفريقيا والشرق الأوسط، واضعًا مصر بقوة على خريطة الفلك العالمية. أصبح المرصد "العين الجنوبية" للمراصد الأوروبية، ومن أشهر إنجازاته التقاط صور فائقة الدقة لـ "مذنب هالي" عام 1910.

توج المعهد هذه الحقبة بامتلاك ثاني ساعة نجمية في العالم بعد ساعة مرصد جرينتش، وهي ساعة لا تضبط وقتنا المدني العادي، بل تضبط "وقت الكون" الضروري لتوجيه التلسكوبات بدقة متناهية نحو الفضاء السحيق.


التشريح المؤسسي للمعهد القومي للبحوث الفلكية

ويستند المعهد في أداء مهامه إلى بنية مؤسسية قوية، يعمل بها أكثر من 300 كادر علمي وبحثي ذوي إنتاج علمي رصين في كبرى دور النشر العالمية (مثل  IEEE  Elsevier Nature ) ينقسم المعهد إلى 6 أقسام علمية تغطي كافة المهام الفلكية والجيوفيزيائية:

1. قسم الفلك (Astronomy)
المسؤول عن استكشاف الكون المادي وإدارة المراصد الفلكية الكبرى، مثل مرصد القطامية. يختص بالرصد الفلكي العميق، ومتابعة النجوم والمجرات، إلى جانب دوره المجتمعي الأصيل في الحسابات الفلكية لتحديد بدايات الشهور الهجرية ومواقيت الصلاة بدقة متناهية.

2. قسم الشمس والفضاء (Space & Solar)
يركز على دراسة فيزياء الشمس وتكنولوجيا الفضاء. يدرس نجم الشمس وتأثيرات الانبعاثات الشمسية علينا (الطقس الفضائي)، ويتتبع مسارات الأقمار الصناعية، ويرصد الحطام الفضائي والأجسام القريبة من الأرض لضمان أمن الأصول الفضائية المصرية.

3. قسم الزلازل (Seismology)
الدرع الواقي للجمهورية وطبيب الطوارئ الذي يتدخل وقت الأزمات. يدير الشبكة القومية للزلازل، ويختص بالرصد اللحظي للنشاط السيزمي، ودراسة الفوالق النشطة، وحساب معاملات الأمان الزلزالي للمنشآت الاستراتيجية والمدن الجديدة.

4.المركز الوطني للبيانات (National Data Center)


هو العصب المعلوماتي المركزي ويندرج تحته "المركز الأفريقي لدراسة المخاطر" الذي يرصد الكوارث الطبيعية لحظيًّا ويدرب مئات الكوادر الأفريقية سنويًّا.

كما يضم "قسم التفجيرات النووية ونزع السلاح"، وهو الممثل الرسمي لمصر في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويمتلك أجهزة رصد سيزمو-صوتي وإشعاعي فائقة الدقة لتتبع أي نشاط نووي في العالم بأسره لحظيًا.

5. قسم المغناطيسية والكهربية الأرضية (Geomagnetism & Geoelectric)
يختص بدراسة المجال المغناطيسي للأرض والخصائص الكهربية للطبقات.

و تلعب تطبيقاته دورًا حاسمًا في التنقيب عن البترول والمياه الجوفية، واستكشاف الآثار بالرادار، وتحديد زوايا الانحراف المغناطيسي اللازمة للملاحة الجوية والبحرية.

6.قسم الجيوديناميكا (Geodynamics)
بمثابة "الطبيب الوقائي" للأرض ويدرس الحركات المستمرة والبطيئة للقشرة الأرضية، مثل حركة الصفائح التكتونية، وتشوه القشرة، والهبوط الأرضي.

ويعتمد على تقنيات الفضاء وشبكات الـ (GPS) فائقة الدقة والجاذبية الأرضية لمراقبة استقرار الأرض بالمليمتر وحماية البنية التحتية.

 

ومع التوسع العمراني في حلوان، تم إنشاء مرصد القطامية الفلكي عام 1964 في عمق الصحراء للحفاظ على دقة الرصد، والذي يضم تلسكوبًا ضخمًا بقطر 74 بوصة، تم تحديثه بكاميرات رقمية (CCD) وأجهزة تحليل طيفي ليظل العصب الأساسي للرصد البصري بالشرق الأوسط.


الشبكة القومية للزلازل (ENSN):

بعد زلزال 1992، بنى المعهد منظومة لا مركزية متكاملة تضم أكثر من 100 محطة رصد زلزالي تعمل بالطاقة الشمسية.


ويتصل المركز الرئيسي في حلوان بـ 7 مراكز إقليمية (أسوان، الغردقة، مرسى علم، برج العرب، الواحات، الضبعة)، لترسل البيانات لحظيًّا عبر الأقمار الصناعية. كما يغطي المعهد السد العالي وخزان أسوان بأكثر من 17 جهازًا لرصد "عجلة الزلازل" لحماية هذا المنشأ القومي على مدار 24 ساعة.

ويمكن لكافة المواطنين متابعة الحالة الزلزالية لكافة أنحاء الجمهورية لحظيا من الموقع الرسمي للشبكة على الإنترنت https://ensn.nriag.sci.eg/


رصد الأقمار الصناعية والحطام الفضائي

وفي عام 2017، وبالتعاون مع مراصد الصين، أنشأ المعهد محطة رصد بالليزر (SLR) والرصد البصري السريع، مزودة بتلسكوبين بقطار 120 سم و70 سم.

و تعتمد التقنية على إرسال نبضات ليزرية لحساب المسافات ورصد الأجسام حتى ارتفاع 36,000 كم (المدار الثابت)، لتعمل كدرع لحماية الأقمار الصناعية المصرية.

وساعد مرصد حلوان وكالة ناسا العالمية في تحديد المواقع المثلى لهبوط رواد فضاء رحلتي أبوللو 11 وأبوللو 12، ويمتلك المعهد وثائق شكر رسمية من وكالة الفضاء الأمريكية NASA تثبت هذا الإنجاز.

 

كما قدم المعهد المعلومات الفنية الدقيقة للقيادة السياسية والعسكرية للقوات المسلحة، شملت دراسات لزوايا سقوط الشمس، وظواهر المد والجزر لقناة السويس، والتي كانت محددات رئيسية لاختيار "ساعة الصفر" المثلى للعبور بحرب أكتوبر 1973.

الجريدة الرسمية