محمود السعدنى يكتب: الولد الشقى
تحت عنوان (جود باى أيها الولد الشقى ) كتب محمود السعدنى ( رحل في مايو 2010 ) مقالا في مجلة "صباح الخيرعام 1967" قال فيه:
أنا طول عمرى اتصرف مع الحياة كولد، وطول عمرى اتطلع إلى المرآة فلا أرى إلا ذات الولد الشقى الذي كان.
وانا لسوء الحظ نحيف كالقلم الجاف.. ناشف كما العيش المقدد، ممصوص كما عود القصب المعصور، وكنت وأنا في العشرين أبدو في الثانية عشرة،ولذلك لم أحزن عندما رسبت سنوات طويلة في التعليم الثانوى، ولم يلحظ أحد كبر سنى.
ذات مرة اعترضنا طريق رجل أسود اللون كاليل،وقذفناه بالاحجار ثم انطلقنا نعدو الشارع وهرب الجميع إلا أنا وصديقى طوغان، وكان طوغان طويلا كشجرة الموز، فلما قبض الرجل علينا.. راح يضرب فينا بالأقلام والأقدام، وتدخل أولاد الحلال وتشفعوا للعبد لله باعتبارى عيل...وأكلها طوغان أجوازا وافرا دا.
ذات مرة وانا صحفى مهيب واسمى يظهر في الجرائد، كنت في رحلة مع مسئول كبير إلى بعض الأقاليم.. وفى مدينة دسوق جاء موعد صلاة الجمعة، وذهبت مع المسئول إلى المخزن، فتصدى لنا مدير المديرية وسمح للمسئول ومرافقيه بدخول المسجد أما أنا فانهال على ضربا بالخرزانة.
كنت حتى سن الثلاثين التفت ورائى دون قصد، أو إذا هتف أي شخص في الشارع وقال ياولد التفت اليه فورا، وكنت أحسد زكريا الحجاوى على أطنان الشحم الذي على بطنه، بعد أن أعطته الطبيعة شحما وأعطتنى عظما وشغتا وجلدا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وكم تمنيت أن أصاب بالسمنة حتى يتدلى اللغد من تحت ذقنى، وتنتفخ بطنى، وأظل ألهث حتى أموت من الذبحة الصدرية.
عباس الأسوانى مثلا يدب على الأرض كالفيل، صلاح جاهين كان يمشى في الشارع كالخرتيت في منتصف الليل.
لكن رجال البوليس ترفع يدها له بالتحية مهابة.... وأنا أركب سيارتى في النهار فيستوقفنى اشرجى المرور، اما البوليس فيأخذنى تحرى..
وخليل البندارى شكله مثل القرد الأفريقى لكن مظهره خداع فيظنه الناس سمسار عربيات في وكالة البلح.
وكان الناس يحسدوننى على النحافة وأنا حسدهم على السكر والجلطة، وكرهت النحافة والرشاقة وعشقت الكروش والدهون.
وأنا طول عمرى 57 كيلو فقط نمت في الهيلتون بمدريد وسكنت في بيوت الشانزليزيه لكن لا فايدة ولا عايدة وقد طمأننى ماقاله لى الدكتور انور المفتى حين قال:
مبارك عليك هذا العمر الطويل، ستعيش كما عاش سيدنا نوح،فليس في جسمك مكان تختبئ فيه جرثومة،فجسمك كله بيئة غير صالحة لكل الجراثيم.
