رئيس التحرير
عصام كامل

فتحي رضوان يكتب: رمضان أمتع شهور السنة

فتحي رضوان
فتحي رضوان
18 حجم الخط

في مجلة الهلال عام 1982 كتب المحامي فتحي رضوان مقالا عن شهر رمضان، قال فيه:

«لقد نجح المصريون منذ عهد الفاطميين في جعل شهر رمضان شهر لامثيل له، ولانظير له، وهو كذلك في كل بقاع الدنيا.


لقد كان حظي أن أشاهد في بعض أقطار العالم أعيادا دينية وقومية في الشرق والغرب، فكانت بعضها عبارة عن معارض فنية يتألق فيها الذوق والبهجة والدعابة والفكاهة والخروج نوعا ما عن رتابة الوقار والتقاليد الراسخة.

لكن كل هذا إذا قورن بما استقر عند المسلمين المصريين في شهر رمضان من طقوس التفريح والتماس السرور والبحث عن مجالات تسامى فيها الروح تفوق شهر رمضان على ماعداه من الشهور.

ولعل مرد ذلك أن الشعب المصري شعب طبع منذ طفولته وتاريخه بتدينه وحبه العميق للفن والحياة، وقد سجلت نقوش المعابد ذلك منذ آلاف السنين.

كل هذه الطاقات وجدت طريقها إلى التعبير في أسلوب احتفال المصريين بحلول شهر رمضان المعظم، حتى آخر أيامه يظهر فيها علامات الفرح والسرور حتى السحور، وإعداد الأطعمة الشهية والمشروبات الباردة والساخنة وتبادل الزيارات وأكل "النقل"، أي المكسرات والياميش التي تستورد من تركيا وأوروبا، والتنافس على إقامة المآدب، فالمصريون سواء في القاهرة أو الريف أو الصعيد يبعثون شعبا آخر في رمضان.

وقد كنت أحب كل مافي رمضان حتى المدفع الذي يعلن لحظة الإفطار، والذي كان جديرا أن يبعث الفزع أو الخوف، لكنه كان عندنا فرحة مضاعفة.

والواحد منا يرى أمامه من الأطعمة الكنافة والقطايف وكأنما صنعا لرمضان وحده، أما مشروبات رمضان مثل قمر الدين والخشاف فتزدحم بها الموائد حتى عند أفقر القوم باللحوم بأنواعها والدواجن والمشهيات.

وإذا فرغ القوم من الطعام امتلأت الشوارع والحارات بجيوش من الأطفال يحملون في أيديهم الفوانيس المصنوعة من الصفيح المزخرف والزجاج الملون والشمع الذي تتراقص شعلته مع الهواء.

أما مسحراتي العهد القديم فقد كان له صوت رخيم ويؤدي أغاني قصيرة جميلة عذبة يسمعها الكبار والصغار، وكان المسحراتي فنانا شعبيا يرتجل الأغاني حسبما يطلب أصحاب الدار الذي يمر به.

ولست أنسى جلستي في شرفة منزلي بشارع سلامة بالسيدة زينب، وهو الشارع الذي شهد أحداث رواية "عودة الروح" لتوفيق الحكيم، فكنت أرى الفتيان قبل الإفطار يحملون سلاطين الطرشي ومعها أعواد الجرجير، وسلاطين أخرى مليئة بالفول المدمس الذي يسوى على نار المستوقد لزوم السحور.

كل هذه أشياء انتهت، ولكن من شاهدها في صباه لا ينساها».
الجريدة الرسمية