يوم التنجيد.. «افرحي يادي الأوضة.. جياكي عروسة موضة».. قصة مصورة
كانت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحًا، حين خرج الأب من منزله مترجلًا إلى الشارع ليطمئن على جاهزية كل شيء.. طاف بأذنيه ضجيج العمال المتعالٍ مع هرولتهم لوضع اللمسات الجمالية بعدما أنهوا بنجاح مهامهم المكلفين بها.. لم ينبس ببنت شفة أو يعبأ برد تهنئتهم «مبروك يا حاج».. وحتى لهو الأطفال ولعبهم بالفرحة، وزغاريد النساء وأصوات غنائهم كانت تمر أمام عينيه كخيال لا يمثل لرأسه - المشغول بهدف اسمى – أي شيء.
رأى العمال وقد انتهوا من نصب سرادق بطول الشارع وعرضه، وأحكموا في منتصف بدايته على يمين الداخل إقامة مسرح أخفوا أخشابه بالسجاد الأزرق الذي وضع فوقه الـ«دي جي»..
أومأ برأسه إلى الخلف فشاهد محتويات المسكن الجديد.. غرفة النوم وما تحويه من ألحفة ومرتبة يحملها سرير، ومن خلفها يتوارى دولاب تعكس مرآته الناصعة أشعة الشمس..
و«دباديب» وهدايا كانت في يوم أشياء خاصة قبل أن تعرض على قارعة الطريق، ومنقولات باقي الغرف، وأجهزة كهربائية وتبعياتها من أدوات المطبخ..
وستائر وملابس وأسرار كلها مصفوفة بعناية ونظام في وسط الشارع لعل فخامتها وغلو ثمنها تحوز على رضا المقبلين للتهنئة..
اطمأن وهدأت خلجات نفسه فجلس على مقعد من ضمن كثر تراصوا فوق الأرض المفروشة بالورود معطيًا إشارة البدء لانطلاق فرحة يوم «تنجيد العروسة»..
وتنجيد العروسة هو عادة قديمة ورثها قاطنو المناطق الشعبية منذ حقب زمنية متباعدة، حين كان يحرص أجدادهم على إقامتها، ويسبق ليلة الدخلة بثلاثة أيام وأحيانًا بأسبوع على الأكثر..
ويعقد فيها قران العروسين، والمتحكم فيها بنسبة أكبر أهل العروسة لأنه مقام أمام منزلهم وأغلب المدعوين فيه من أقاربهم وجيرانهم..
والأصل في ابتداع هذا اليوم هو اقتسام الفرحة بين الأسرتين، بحيث يكون هذا خاصًا بالعروسة وأهلها وليلة الفرح والدخلة خاصة بالعريس وأهله..
وقديمًا كان يبدأ هذا اليوم بحضور المنجدين أمام بيت أهل العروسة منذ الصباح الباكر ليبدءوا في تنجيد المراتب والوسائد الخاصة بمنزل العروسين، وما أن ينتهوا من عملهم في منتصف اليوم حتى تصف كل محتويات المنزل الجديد في وسط الشارع ويتوافد المدعوون لرؤيتها..
ثم يتم إحضار إناء مليء بالحناء ليوضع منه على أيدي العروس وفوق أقدام العريس، وسط إطلاق الزغاريد وترديد أغاني التراث الشعبي من السيدات الموجودات، ثم يتناول المدعوون الطعام وينغمسون في وصلات من الرقص والغناء المعبر عن فرحة الجميع..
وفي الأيام الحالية لم يتغير في برنامج هذا اليوم سوى غياب المنجدين بعد أن حلت المراتب الجاهزة بديلة للمصنوعة بالأيدي..
واستبدلت أصوات السيدات بنغمات الـ«دي جي» الصاخبة.. واستعاض عن الحناء برسومات الكوفيرات بعد أن أعلنت الفتيات تمردهن على الوضع القديم بحجة أنهن يشعرن بالاشمئزاز من شكل ورائحة الحناء الطبيعية..
وتحرص العروس خلال هذا اليوم على ارتداء ثوب جديد كل نصف ساعة من قبيل التفاخر بالثياب التي جلبها إليها عريسها، كما يحرص العروسان على الرقص سويًا أكثر من مرة إظهارًا للفرحة وتأكيدًا للانسجام والتفاهم الذي يتبادلانه..
كما تحرص المدعوات من السيدات على جلب طعام العشاء معهن ليقدمنه كهدية إلى أسرة العروسة ويطلقن عليه «الواجب»، ونفس الشيء يفعله المهنئون من الرجال، حيث يحضروا معهم هدايا مختلفة أو يعطون لوالد العروسة نقودًا تندرج تحت مسمى «النقوط»..
وبعد انتهاء الفرحة في هذا اليوم تحمل كل المنقولات والأشياء المصفوفة في الشارع فوق سيارات نقل ويجلس بأعلاها العروسان لتذهب بهما إلى منزل الزوجية ليبدآن بمعاونة الأهل والأصدقاء في فرش مسكنهما الجديد..
ورغم انتقاد الكثيرين هذه العادة واعتبارها من الأفعال الذميمة التي تهتك أسرار «عش الزوجية» بعرض محتويات المنزل أمام أعين الجميع في وسط الشارع، وأنها لا تواكب التطور التكنولوجي الذي أصبحنا نعيشه، واندثار الكثير من العادات في أنحاء مصر وسط دوامة بحث المواطنين عن لقمة العيش، فإن أبناء المناطق الشعبية في القاهرة وضواحيها متمسكون بهذه العادة، ويعتبرون الفرحة في يوم «تنجيد العروسة».. فرحة بطعم زمان.
