«جبران» مسيحي بروح الصوفية الإسلامية.. قال عن «الغزالي»: أقرب إلى جواهر الأمور من القديس «أوغسطين».. والغرب يعرف عنه أكثر من الشرق.. «الصوفية» جيشٌ يسير نحو مدي
كثيرًا ما تناول الباحثون والمتخصصون أدب «جبران خليل جبران» وإنتاجه الفكري، وكثيرة هي الدراسات التي ألفت عنه وعن حياته وفنه الشعري وعبقرية رسومه، لكن لا يوجد من أفرد كتابًا بعينه يضم جميع ما كتبه جبران عن الإسلام والمسلمين في شتي العصور، وهو ما أنجزه الباحث أحمد حسين حافظ في كتابه «إسلاميات جبران».
و«جبران» هو كاتب اتسمت أفكاره بالشمولية والمساواة والحرية ووحدة الأديان والسلام بين البشر، وهو صاحب أسلوب راقٍ ومفردات بديعة ذات إيقاع رومانسي بديع.
مراسلة لماري هاسكل
يبدأ المؤلف كتابه بإحدى الرسائل البديعة التي أرسلها «جبران» إلي «ماري هاسكل» والتي يقول فيها: «نحن الباحثون عن الجوهر، المستوحشون الذين استحالت عزلتهم إلي بستان، ماذا تبقى لنا في الحياء إلا الجوع والظمأ، ألم تضيق نفوسنا بالواقعية.. أشعر أن الله هو القدرة المثالية التي أثبتت بساطتها ونقاءها»، وتوضح تلك المراسلة كيف اتخذ جبران من المحبة دينًا ومن التسامح مذهبًا في حياته، واعتبرهما الدعامتين اللتين يقوم عليهما إيمانه بالدين.
الغزالي
يستعرض الكاتب المقالات التي كتبها جبران عن بعض الشخصيات الإسلامية ومنهم «الغزالي» حيث يعقد جبران مقارنة بين الغزالي وبين القديس أوغسطين، ويصرح بأنه وجد الأول أقرب إلي جواهر الأمور وأسرارها من الثاني.
وقالت: «وجدت في الغزالي ما يجعله حلقة ذهبية موصلة بين الذين تقدموه من متصوفي الهند، والذين جاءوا من الإلهيين، ففي ما بلغت إليه من أفكار البوذية قديمًا من ميول الغزالي، وفيما كتبه سنبوزا ووليم بلايك حديثًا شىء من عواطفه، ولكن الغريب أن الغرب يعرفون عن الغزالي، أكثر مما يعرفه الشرقيون».
ابن الفارض
وعن «ابن الفارض» يقول: «كان عمر بن الفارض شاعرًا ربانيًا، تشرب روحه الظمآنة من خمرة الروح فتسكر ثم تهيم سابحة، وإذا نظرنا إلي فنه المجرد وما وراءه وجدناه كاهنًا في هيكل الفكر المطلق، وقائدًا لجيش المتصوفين العظيم، ذلك الجيش السائر بعزم بطيء نحو مدينة الحق».
إرم ذات العماد
يذهب الكاتب بنا إلي مسرحيات جبران التي تناول فيها شخصيات مسلمة، مثل «إرم ذات العماد»، التي تستعرض اتجاه جبران الواضج في إيمانه بوحدة الوجود حتى في عقائد الناس، فقد تخير مادته من القرآن الكريم، واختار بطلته مسلمة من طائفة العلويين تحمل اسم «آمنة»، وهو اسم والده النبي (ص)، كما اختار بطل روايته مسيحيًا يدعى «نجيب رحمة»، واعتقد أنه يمثل جبران نفسه الساعي للتعمق في التصوف الإسلامي وإدراك أسراره، ويعتقد الدارسون أن خيال «رابعة العدوية» المتصوفة الكبيرة كان يراود خيال جبران في خلقه لهذه الشخصية.
إلي "المسلمين" من شاعر مسيحي
وينتقل الكاتب إلي مجموعة من مقالات جبران المتنوعة، فنجد جبران في مقاله بعنوان «إلي المسلمين من شاعر مسيحي» يقول: «أنا مسيحي ولي فخر بذلك ولكنني أهوى النبي العربي وأكبر اسمه، وأحب مجد الإسلام وأخشى زواله، أنا شرقي ولي فخر بذلك ومهما أقصتني الأيام عن بلادي أظل شرقي الأخلاق، سوري الأميال، لبناني العواطف.. أنا أكره الدولة العثمانية، لأنني أحب الإسلام وعظمة الإسلام، ولي رجاء برجوع مجده».
كما يبدأ جبران مقاله "نشيد الإنسان" بالآية 28 من سورة البقرة «وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم إليه ترجعون»، قائلاً: «أنا كنت منذ الأزل وها أنا ذا، وسأكون إلي آخر الدهر، وليس لكياني انقضاء، سبحت في فضاء اللانهائية، وطرت في عالم الخيال، واقتربت من دائرة النور الأعلى، وها أنا الآن سجين المادة».
