رئيس التحرير
عصام كامل

بالفيديو.. في الذكرى الـ15 لـ«طائرة البطوطي» زوجة الشهيد إيهاب نبيل: «مبارك» فرط في حقوقنا وعلي جمعة «أهاننا».. زوجي كان «فرحان لما سافر وقالي أنا سايب راجل ورايا

فيتو
18 حجم الخط

«ست سنوات فقط».. بهذه الكلمات أجابت نجلاء رأفت راشد، زوجة الرائد إيهاب نبيل، حين سألتها «فيتو» عن المدة التي عاشتها مع زوجها قبل أن يستشهد في حادث الطائرة المصرية المنكوبة التي سقطت في الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدًا في جزيرة «رود أيلاند» 31 أكتوبر 1999، الشهيرة بـ«طائرة البطوطي».


السنوات القليلة التي عاشتها «نجلاء» مع زوجها لم تمنعها من خوض عدد من المعارك على مدى 15 عامًا للحصول على لقب «زوجة الشهيد»، الذي لقي مصرعه مع 33 ضابطا كانوا في مهمات عمل مختلفة بالولايات المتحدة، وجاء موعد عودتهم جميعًا على متن الطائرة المنكوبة التي لم ينجو منها أحد.

وتروي «نجلاء»، لـ«فيتو» الأيام الأخيرة في حياتها مع زوجها قائلة: «تم تكليف زوجي بمأمورية عمل صدق عليها وزير الدفاع حينها المشير حسين طنطاوي، وكان عدد أفرادها 6 منهم ضباط من قطاع الأسلحة والذخيرة، وآخرين من نظم المعلومات، لكنه كان الوحيد الذي ينتمي إلى جهاز المخابرات الحربية، وفي موعد العودة كان هناك 33 ضابطا على متن الطائرة، بالمخالفة إلى القواعد العسكرية التي تمنع من وجود أكثر من 6 أو 8 ضباط في طائرة واحدة، وهذه التعليمات جاءت بعد حادث المشير أحمد بدوي الذي استشهد بعد تحطم طائرته القادمة من السلوم ومعه 11 ضابطا، وهو ما استدعى إلى التعليمات السابقة، ومنع تواجد أكثر من ضابطين يحملان رتبة العميد على طائرة واحدة، وضابط واحد يحمل رتبة لواء، إلا أن طائرة البطوطي كانت تحمل 4 ضباط برتبة عميد، ورغم أن القانون يخول إلى ممثل التنظيم والإدارة تأخير سفر الضباط لمدة 24 ساعة لترتيب رحلات أخرى لهم إلا أن هذا لم يحدث».

لا تنسى «نجلاء» الكلمات الأخيرة لزوجها حين ربت على كتفها قائلًا: «أنا مطمن وسايب ورايا راجل»، مضيفة: «كان في غاية الفرحة رغم أنها ليست المأمورية الأولى التي يسافر لها، وبرر ذلك بأنها رحلة لم تكن في حسبانه، إلا أن الابن الأكبر فادي الذي كان يبلغ من العمر خمس سنوات، قال له (أنا خايف يا بابا الطيارة تقع والحوت يأكلك) وتسمر إيهاب حينها وكان كالتمثال، فطلبت منه طمأنة الطفل لكنه ظل صامتًا، وأبلغني أنه لن يتصل بي من سفره، وحين سألته كيف ستطمئن علينا قال «أنا مطمئن لاني سايب ورايا راجل، وحين سألته وكيف نطمئن عليك قال «اطمئني إذا جري شيء ستعرفيه من التليفزيون» وكانت تلك هي نبوءته الثانية التي تحققت».

وتضيف «نجلاء»: «كنت أنتظر عودته 31 أكتوبر عام 1999 ولم يكن من عادته أن استقبله في المطار، بالإضافة إلى أن ابني الأصغر رامي كان عمره 3 شهور وقتها، وأثناء انتظاري رأيت في نشرة الأخبار، أن الطائرة التي يستقلها زوجي والتي أعرفها من رقم الرحلة وهو 990 اختفت من على شاشات الردارد، اتصلت بمقر عمل زوجي وسألت عن الطائرة ومصيرها، وكان أغلب من يرد على يحاول أن يتهرب مني، حتى اضطررت إلى السؤال على الضابط الأعلى رتبة وكان رده هو سؤالي ما الذي جعلني أتأكد من أنه على متن تلك الطائرة؟.. فقلت له إني أعرف رقم الرحلة، فرد على بأن الضباط لم يصعدوا على متن الطائرة لسوء الأحوال الجوية، وبعدها رأيت خبرا يقول بأن جوازات السفر قد طفت وأن الطائرة المنكوبة سقطت منذ الليلة السابقة، فاتصلت مرة أخرى فمن رد على قال لي عبارة «لا إله إلا الله»، فعرفت أن زوجي كان على متن الطائرة، ولا أستطيع أن أصف شعوري وقتها».

وتابعت: «معركتنا بدأت من أول يوم في الحادث، حيث بدأنا كأهالي الضحايا في تجميع أنفسنا، لنبحث عن التحقيقات وحق ذوينا وتنظيم صفوفنا، وكانت صدمتنا في عدم اعتبارهم كشهداء ومنحهم قرار الشهيد، حيث قالت القوات المسلحة إن الشهيد هو من مات في المعركة مع العدو، رغم أن القانون العسكري يقول إن كل من كان في مهمة عمل خارج الجمهورية العربية المتحدة ومات يعامل معاملة الشهيد، وحاولنا طوال السنوات الماضية بكل الطرق فهم وجهة نظرهم، خاصة وأنهم كانوا يرسلون كل المكاتبات بلقب شهيد، وقمنا برفع دعوى في مجلس الدولة ولجأنا لاثنين من المحامين منهم نقيب المحامين سامح عاشور، واستمر نظر الدعوى في مجلس الدولة 7 سنوات قبل أن يبلغنا بأنه ليس جهة اختصاص، لأن كل ما يخص العسكريين يحول إلى شئون ضباط، ولا ندري كيف يصبح العسكريين خصما وحكما في نفس الوقت، ورغم تغيير الدساتير ظلت المواد المتعلقة بالعسكريين كما هي، والدعوى مازالت في شئون الضباط ولم يتم حلها حتى الآن، ولم يتم حلها في عهد أي رئيس قبل الثورة أو بعدها، لأن فيما يبدو الشكوى لغير الله مذلة».

«شبه بوالده»، هكذا يؤكد كل من رأى «رامي» الابن الأصغر للشهيد.. الحادث حرمه من أبيه قبل أن يزيد عمره عن 3 شهور، إلا أنه رغم ذلك كتب قصة قصيرة بعنوان «أبي الذي لا يعرفه أحد»، وقال: «كل ما في ذهني عن أبي مجرد قصص ترويها أمي، لم استطيع أن اتعرف عليه عن قرب»، وحول رده على حرمان ابيه من لقب الشهيد حتى الآن قال: «الله يعلم أنه شهيد، وانا مقتنع بذلك».

لم يسلم أحمد شفيق، رئيس الوزراء الأسبق، من مأساة الطائرة المنكوبة كما تقول «نجلاء»، مضيفة: «في ذلك الوقت كان شفيق قائد القوات الجوية، ولابد أن نعلم أن ضباط القوات الجوية لهم مواصفات خاصة تجعل تكوين دفعة منهم أمرا صعبا، وفي الواقعة كان هناك 7 ضباط من القوات الجوية على متن الطائرة فيما يشبه التضحية، ولا اعتقد أن ذلك يمكن أن يمر مرور الكرام في أي دولة في العالم، وعقب الحادث وأثناء مفاوضات التعويضات كان شفيق هو وزير الطيران، ويكفي أن أقول أن المفاوضات كانت مهزلة وإهانة بكل المقاييس لمصر، فأقل تعويض حصل عليه مواطن أمريكي كان مليون دولار، فيما حصلت عائلات بعض الضحايا على 13 مليون دولار، في الوقت الذي حصلت عائلات الضحايا المصريين على 100 ألف بعد مفاوضات مجحفة بدأت بـ40 ألف جنيه».

ورغم أن هناك قصصا كثيرة عن واقعة الطائرة كان منها إسقاطها بصاروخ، إلا أن «نجلاء»، ترى أن طائرة زوجها تم التحكم فيها عن بعد، وهو ما شاهدته بعدها على عدد من القنوات كمحاولة للتحكم بطائرة من نفس الطراز، ويدعم هذا الاحتمال أن الطائرة هبطت ما يزيد عن 20 ألف قدم بصورة مفاجئة، ثم عادت وارتفعت لارتفاعها وهو 33 ألف قدم مرة أخرى، رغم أن كل قياسات الضغط تؤكد أن كل من على متن الطائرة قد ماتوا نتيجة هذا الانخفاض بما فيهم الطيار وطاقم الطائرة، مشيرة إلى أن ما يحسم الأمر هو تحقيق تقوم به السلطات المصرية، متهمة الرئيس الأسبق حسني مبارك بالتفريط في حقوق المصريين حين سمح أن يكون التحقيق من الجانب الأمريكي فقط، والذي خرج بتقرير هزيل يقول «الطيار جميل البطوطي انتحر»، ورد على التقرير بنفي انتحار «البطوطي» دون التحقيق فيما جرى، والحقيقة ماتت لدى المسئولين في مصر، مشيرة إلى أن الوضع الذي وصل له «مبارك» الآن هو نتيجة ما قام به في القضية.

واتهمت «نجلاء» السلطات المصرية بالتواطئ وتعطيل التحقيقات، لأن هناك شبهات كثيرة تشوب الموضوع وإهمالا ضخما، مضيفة: «توجهنا ببلاغات كثيرة إلى النائب العام ولم يتم التحقيق فيها».

وتروي «نجلاء» تجربتها مع الهيئات المصرية للمطالبة بحق زوجها، حيث توجهت لديوان المظالم الذي وصفته بـ«الديوان الوهمي»، إلا أن التجربة الاسوأ كما تصف كانت مع مفتي الجمهورية السابق على جمعة، الذي توجهت إليه للحصول على فتوى شرعية تفيد بأن زوجها ورفاقه شهداء في مؤتمر كان يحضره مع الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، الذي استأذن تاركًا المناقشة للصلاة، وكانت النتيجة ثورة من المفتي كأن القضية شخصية قائلًا: «هما مش شهداء ولو القوات المسلحة طلبت فتوى رسمية مني سأقول انهم مش شهداء»، وبعد محاولات من شيوخ كانوا موجودين طلب مني تقديم مذكرة، لتقديمها إلى القوات المسلحة، فشكرته وتركته، ودعته لترك منصبه.

وتضيف: «هناك الكثير من الحكايات تحملها الطائرة المنكوبة، إلا أن أبرزها كانت لملازم يدعي (تامر)، كان مقربا من زوجي في الولايات المتحدة، وكان الابن الأوحد لولدته التي قضت شبابها تربيه وأخته بعد وفاة والده، وكانت المأمورية الأولى له، واستشهد على متن الطائرة، ورفضت القوات المسلحة منح معاش لوالدته التي توفت بعده بعام أو عامين بحجة أنه ليس له سنوات خدمة».

«الطائرة أعطتني عائلة جديدة بعد حرماننا من زوجي الراحل»، هكذا قالت «نجلاء» وهي تحمل بين يديها صورة لحفل خطوبة ابنة العميد خليفة الجارحي، أحد ضحايا الطائرة المنكوبة تحمل فيها رامي ابنها، فيما يضم العريس طفلة أخرى هي ابنة مها المحروقي مضيفة الطائرة، مشيرة إلى أن الفاجعة وما جاء ورائها من بحث ومعارك مشتركة جعلت من أهالي الضحايا عائلة كبيرة.

بين مقتنيات «نجلاء» هناك ميدالية صغيرة، إلا أن تلك الميدالية لها قصة ترويها قائلة «بعد 30 يونيو وأثناء تكريم المخابرات الحربية للضباط المشاركين في ثورة 30 يونيو، ذهبت إلى مبنى المخابرات الحربي اتساءل عن سبب عدم تكريم زوجي حتى الآن، بعدها تلقيت اتصالا من الإدارة تطالبني بالحضور فوجدت ظرفا به مبلغ مالي وبه ميدالية دون أي اسم، رفضت المال وقلت لهم إن هذه إهانة فأنا لا أطلب إعانة، وطالبت بكتابة اسم زوجي على الميدالية، فتركني الضابط لدقائق ثم جاء يحمل العلبة التي تضم الميدالية وبها ورقة مغلفة بغلاف مقوي عليها اسم زوجي مسبوق بكلمة شهيد إلا أن الاسم مكتوب خطأ، فطلبت منه التصحيح إلا أن جاء به خطأ مرة أخرى إلا أنه خطأ في اسم الجد الرابع فلم اهتم به، وأخذت العلبة ووضعتها في منزلي ليعتز أبنائي بوالدهم.. وأملنا أن السيسي يمنح زوجي لقب شهيد".



الجريدة الرسمية