في ذكرى "السنباطي".. تقدم ليدرس الموسيقى فعينوه أستاذا.. موسيقار الأجيال يدمع للأطلال.. أم كلثوم عرضت الزواج منه ففضل الصداقة.. "زعيمنا الحبيب" أغنية لتأبين "ناصر" لم تر النور من أجل "السادات"
"رياض السنباطي" تلك الأيقونة الموسيقية التي مر على رحيلها ثلاثة وثلاثين عاما دون أن يفارقنا هدير ألحانها كل ليلة في جميع شوارع وأزقة الوطن العربي، رحل السنباطي ولكن أطلاله بقيت تصدح في قلوبنا، مثله مثل رفيقة دربه "أم كلثوم" التي رحلت جسدا، وبقت حنجرة ذهبية لم يشهد الوطن العربي مثيلا لها حتى الآن.
مؤلفات هائلة
يعد السنباطي أحد أبرز الموسيقيين العرب، بلغ عدد مؤلفاته الغنائية 539 عملًا في الأوبرا العربية والأوبريت والاسكتش والديالوج والمونولوج والأغنية السينمائية والدينية والقصيدة والطقطوقة والمواويل، كما بلغ عدد مؤلفاته الموسيقية 38 عملا، وبلغ عدد شعراء الأغنية الذين لحن لهم 120 شاعرًا، أبرزهم أم كلثوم، منيرة المهدية، فتحية أحمد، صالح عبد الحي، محمد عبد المطلب، عبد الغني السيد، أسمهان، هدى سلطان، فايزة أحمد، سعاد محمد، وردة، نجاة، سميرة سعيد، ابتسام لطفي وعزيزة جلال.
وراء كل عظيم ألم أعظم
وتأتي حياة السنباطي منسجمة مع القول الشائع إن "وراء كل عظيم ألم أعظم" فقد أصيب السنباطي وهو في التاسعة من عمره بمرض في عينه، أحال بينه وبين الاستمرار في الدراسة، ولكن رب ضارة نافعة، وقد أفادته ضارته حيث اهتم والده بالتركيز على تعليمه قواعد الموسيقى وإيقاعاتها.
أظهر السنباطى استجابة سريعة وبراعة ملحوظة، فاستطاع أن يؤدي بنفسه وصلات غنائية كاملة، وأصبح هو نجم الفرقة ومطربها الأول وعرف باسم «بلبل المنصورة»، استمع إليه الشيخ سيد درويش فأعجب به إعجابا شديدًا، وأراد أن يصطحبه إلى الإسكندرية لتتاح له فرص أفضل، ولكن والده رفض ذلك العرض بسبب اعتماده عليه بدرجة كبيرة في فرقته.
التلميذ الأستاذ
تطورت حياته بعد تلك الفترة إذ قرر أبوه أن يصحبه معه إلى القاهرة، لأنه يرى أن ابنه يستحق أن ينتقل إلى بيئه أوسع مما هو عليها، فتقدم بطلب لمعهد الموسيقى العربية ليدرس فيه، إلا أن أعضاء لجنه التقييم أصيبوا بحالة من الذهول، حيث كانت قدراته أكبر من أن يكون طالبًا لذا فقد أصدروا قرارهم بتعيينه في المعهد أستاذا لآلة العود والأداء.
ومن هنا بدأت شهرته واسمه في البروز في ندوات وحفلات المعهد كعازف بارع، ولم تستمر مدة عمله بالمعهد إلا ثلاث سنوات، قدم استقالته بعدها حيث كان قد اتخذ قراره بدخول عالم التلحين.
علاقته بكوكب الشرق
قدم السنباطي لكوكب الشرق مايقارب الـ 90 لحنا، وكان أول تعامل بينهما هو أغنيه "على بلد المحبوب وديني" التي لاقت نجاحا كبيرا، وألحقت هذه الأغنية السنباطي بالديار الكلثومية، فصار واحدا من الملحنين المميزين الذي تفخر به أم كلثوم.
مواقف مثيرة
وامتلأت حياة السنباطي وأم كلثوم بالكثير من المواقف المثيرة، لعل أهمها أن نجل السنباطي أعلن في إحدى المرات أن أم كلثوم قد تقدمت بفكرة الزواج من والده ولكنه تمَّنع بأدب، طالبا منها أن يبقيا على علاقه صداقة ليس إلا.
علاقة صداقة
وبقى السنباطي وأم كلثوم في صداقة دائمة، كانت حافلة بالمواقف المثيرة، ولكننا لم نرصد حالة غضب بينهما إلا عند وفاة الزعيم الراحل "جمال عبد الناصر" إذ كانت تجهز أم كلثوم أغنية "زعيمنا حبيبنا، عندي خطاب عاجل إليك" رثاء على وفاة "ناصر" من كلمات الشاعر "نزار قباني" وألحان السنباطي، ولكن هذه الأغنيه لم تر النور رغم المجهود الذي بذلته أم كلثوم وفريق العمل لإنهائها.
فقد بقى فريق العمل ما يقارب اليوم يسجلون الأغنية من الـ 12 صباحا وحتى الـ 8 مساء، وقبل الاستعداد لبثها، تلقى السنباطي اتصالا من أم كلثوم ترفض فيه إذاعة الأغنية وتطلب منه التسجيل كاملا.
وأرجعت أم كلثوم السبب في ذلك إلى أن جمال عبد الناصر لا تكفيه الكلمات للتعبير عن الحزن، فحزنه دائما في القلب، ولكنها لا تريد التشويش على الزعيم الجديد لمصر "أنور السادات"، وأثار هذا القرار غضب السنباطي لما بذله فريق العمل من مجهود كبير لكي ينهوا هذا العمل في أسرع وقت ممكن.
الأطلال
ومن المواقف المثيرة حقا، ما جرى في إحدى الليالي التي جمعت بين عمالقة الغناء والتلحين في منزل الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب، وطرح أحدهم سؤالا عن اللحن الذي غنته أم كلثوم وسيخلد لدى الجمهور على مر الزمن، فأجمعت الإجابات على لحن "الأطلال" الذي أبدعه رياض السنباطي، وحين انتبه الجميع إلى أنهم في منزل عبد الوهاب، نظروا إليه فوجدوا عينيه تفيضان بالدمع.
فأبدى البعض منهم اعتذاره لعبد الوهاب لعدم اختيار أحد ألحانه، لكن المفاجأة أن موسيقار الأجيال أجابهم بأنه لم يبك حزنا مما قالوا، ولكن لأنه يتفق مع رأيهم، وهو أن "الأطلال" ستعيش أطول من غيرها من أغنيات أم كلثوم.
وكعادته، لم يهدأ عبد الوهاب منذ ذلك اليوم، وظل يبحث حتى وجد ضالته، ووضع كل خبراته الموسيقية في لحن "هذه ليلتي" الذي تغنت به أم كلثوم، لكن لحن عبد الوهاب لم يحظ أيضا بنفس القدر من الشهرة والتألق الذي حظي به لحن "الأطلال" للسنباطي.
