رئيس التحرير
عصام كامل

البرلمان – الحمار – البردعة

18 حجم الخط

للأمور تسلسلها المنطقى والمعهود، وأى خرق لهذا التسلسل ينذر بعواقب غير مأمونة. خرج علينا السيد "رئيس الجمهورية"، بقرار يحدد فيه موعد وخطوات الانتخابات النيابية وتشكيل مجلس "النواب"، فى الوقت الذى تشهد فيه بورسعيد عصياناً مدنياً وتضرب مصر ككل حالة من عدم الاستقرار والقلاقل والتذمر والرفض على كل المستويات.

إدارة عاجزة عن مواجهة الأزمات، اقتصاد يترنح، أحوال معيشية متردية، أمن مفقود على كل المستويات، تعذيب وقهر وسحل وخطف وقتل. جماعة تحاول السيطرة على كل مفاصل الدولة وتوزع المناصب على الأهل والعشيرة بغض النظر عن الكفاءة للمنصب أو الصلاحية له، حالة سخط وانقسام واستقطاب حاد تقصم ظهر المجتمع. أشباه شيوخ يكفرون ويتنابذون بالألقاب ويتحفون المجتمع صباح مساء بفتاوى وألفاظ تثير العجب العجاب.
غموض يحيط بمن يدير عجلة القيادة فى هذا البلد وللحق أقول، لا يبدو الجالس على كرسى الرئيس يعلم عن أمور الرئاسة وقراراتها أكثر مما أعلم أنا عن قواعد اللغة الصينية. ما هو الحل فى دولة على شفا حرب أهلية وإفلاس وفوضى عارمة؟
الحل يكمن فى محاولات تمثيلية هزلية كاريكاتورية لاستكمال مؤسسات الدولة قبل أن نجد الدولة نفسها وكأننا نشترى بردعة لحمار غير موجود. كيف أقيم عرساً فى بيت متصدع وهناك حريق فى بعض حجراته؟ كيف أقفل على جرح ملوث ينذر بموت المريض؟ كيف أصمت وجثة ابنى أمامى وقاتله يخرج لى لسانه؟
لو كان القائمون الآن على أمر هذا البلد يريدون له الخير ويريدون له أن يستقر ويهدأ لقاموا بعكس ما يقومون به تماماً أو على الأقل لما أخلفوا ما وعدوا به ولا كذبوا فيم يقولون ولا خانوا ما أقسموا عليه.
مشكلة الجماعة الحاكمة أنها اعتادت على العمل السرى والتعامل بمبدأ التقية والصفقات وإظهار غير ما يبطنون، وتلك خصال قد تناسب جماعة سرية محظورة لكنها ليست مواصفات من يريد أن يحكم شعباً ثائراً طامحاً فى غد أفضل. أعتاد قادة تلك الجماعة أن يتعاملوا مع جمهور جماعتهم الذى تربى على السمع والطاعة والولاء ووجوب تصديق كل ما يقال له وهذا يصلح لأعضاء جماعتهم ولا يصلح لشعب خرج متمرداً على الظلم والقهر ودفع وما زال مستعداً أن يدفع المزيد من ضريبة الدم.
لو أدرك قادة تلك الجماعة آليات وسمات العصر الذى فيه نحيا وصفات الشعب الذى معه يتعاملون لكان الحل أيسر كثيراً مما يتصورون. نحن أمام أجيال مختلفة فى فكرها وتفكيرها. نحن أمام أطفال لا يرضون بقبول ما لا يقتنعون به وهذا نشاهده ونحياه ليل نهار فى نطاق بيوتنا وأسرنا الصغيرة.
لا تحدثنى كثيراً ودعنى أرى ما تعمل. الأفعال صوتها أعلى من كل الكلمات. بكل أسف كلامكم فى واد وأفعالكم فى واد آخر تماماً. عن العدل تتحدثون وتمارسون أعلى ألوان الظلم، بالكرامة تتشدقون وتذيقون الناس أبشع درجات القهر. بالزهد والتقوى تنصحون وترتكبون أشد صور السفه والجور على المال العام ولنا فى فسحة طابا والعفو عن شقيق زوجة الرئيس وغيرها من الأمثلة خير دليل.
لو عمل قادة هذه الجماعة للصالح العام بقدر ما يمكرون ويتحايلون ويتكلمون لصالح جماعتهم وأهلهم وعشيرتهم لاختلف الوضع تماماً. لا حاجة لنا بدستوركم ولا مجالسكم ولا محافظيكم ولا وزرائكم قبل أن تعود لنا مصر التى أوشكت أن تضيع ملامحها. قبل أن تفكروا فى شراء البردعة حاولوا أن تجدوا الحمار أو كما قال ذلك الرجل فى إحدى فضائيات الفتنة: هاتوا لى بلد.
الجريدة الرسمية