هل لصندوق النقد الدولي رجال في مصر؟!
هل لصندوق النقد الدولي رجالٌ في مصر يضعون روشتة الإصلاح، ويصوغون السياسات، ثم تُنسب القرارات في النهاية إلى الحكومة المصرية؟! السؤال ليس اتهامًا، وإنما سؤال استنكاري فرضه كلام بالغ الخطورة للدكتور حسن الصادي، في حديثه للإعلامية نسمة السيد، عندما قال -بحسب ما نُقل عنه- إن رجال صندوق النقد الموجودين في مصر هم الذين وضعوا روشتة الإصلاح الاقتصادي وقدموها للصندوق، وإن عددًا منهم سبق أن عمل في الصندوق أو البنك الدولي، وبعضهم انتقل بين مواقع حكومية ومؤسسات دولية.
إن صح هذا الكلام، فنحن أمام قضية أكبر بكثير من مجرد اتفاقات قرض أو برامج إصلاح اقتصادي. نحن أمام سؤال يتعلق بمن يصنع القرار الاقتصادي المصري، ومن يحدد أولوياته، ومن يتحمل مسؤوليته أمام الشعب.
الفرضية الأولى:
أن الكلام غير دقيق أو مبالغ فيه وهنا تصبح الحكومة مطالبة بالرد الواضح: من وضع برامج الإصلاح منذ عام 2016؟ من اقترح الإجراءات؟ من أعد الدراسات؟ من تفاوض مع صندوق النقد؟ ومن اتخذ القرار النهائي؟
إذا كان القرار مصريًا خالصًا، فلماذا يُقال إن رجال الصندوق هم الذين وضعوا الروشتة؟ وأين الوثائق والدراسات المصرية التي تثبت ذلك؟
الفرضية الثانية:
أن الخبراء المصريين كانوا جزءًا من عملية إعداد البرامج، لكن باعتبارهم مستشارين أو مسؤولين حكوميين، وأن صندوق النقد لم يفرض عليهم شيئًا.
وهذا أمر يمكن أن يكون طبيعيًا في أي تعاون دولي، لكن السؤال هنا: هل كانت هناك بدائل مصرية مستقلة؟ وهل قارنت الدولة بين أكثر من سيناريو للإصلاح قبل اختيار المسار الذي جرى تنفيذه؟
وهل دُرست التكلفة الاجتماعية لتحرير سعر الصرف، ورفع الأسعار، وإعادة هيكلة الدعم، وزيادة الضرائب والرسوم، قبل اتخاذ هذه القرارات؟ وهل وُضع المواطن في قلب الحسابات أم جرى التركيز أساسًا على المؤشرات المالية والنقدية؟
الفرضية الثالثة:
وهي الأخطر، أن يكون بعض أصحاب القرار أو المستشارين قد تأثروا بصورة مباشرة أو غير مباشرة برؤية المؤسسات الدولية، وأن تكون الروشتة قد صيغت وفق فلسفة الصندوق ثم قدمت للحكومة باعتبارها الخيار الضروري الوحيد.
وهنا يصبح السؤال: هل كان هناك تضارب مصالح؟ وهل كانت العلاقات السابقة أو اللاحقة لبعض المسؤولين والخبراء مع المؤسسات الدولية محل إفصاح ومراجعة؟ وهل توجد قواعد واضحة تمنع تضارب المصالح في صناعة القرار الاقتصادي؟
ولا يكفي هنا أن نقول إن التعاون مع صندوق النقد أمر معتاد في دول العالم. القضية ليست في التعاون من حيث المبدأ، وإنما في من يضع القرار، ومن يملك حق تعديله، ومن يحاسب على نتائجه.
ثم نصل إلى السؤال الأكبر:
ماذا فعلت مصر بكل هذه القروض؟ كم اقترضنا منذ عام 2016؟ وكم دفعنا حتى الآن من فوائد وأقساط؟ وكم من الأموال المقترضة تحول إلى طاقة إنتاجية وصادرات واستثمارات مولدة للنقد الأجنبي؟ وكم ذهب إلى سد فجوات التمويل وسداد التزامات سابقة؟
وهل نجح الاقتراض في علاج أزمة نقص العملة الأجنبية بصورة مستدامة، أم أصبح الاقتصاد في حاجة إلى الاقتراض من جديد كلما اقترب موعد سداد الالتزامات السابقة؟
إذا كانت فلسفة الاقتراض تقوم على شراء الوقت حتى يرتفع الإنتاج والصادرات والاستثمار، فأين الزيادة الكافية في هذه الموارد التي تمكننا من الخروج من دائرة الديون؟
وهنا لا يمكن فصل الدين عن المواطن. فما قيمة أن تتحسن بعض المؤشرات الكلية بينما تتراجع القدرة الشرائية للمواطن؟ وما جدوى الإصلاح إذا كان المواطن يدفع ثمنه من دخله ومدخراته وقدرته على توفير الغذاء والعلاج والتعليم والسكن؟
هل كان انخفاض قيمة العملة الوطنية مجرد نتيجة حتمية للإصلاح، أم أن جزءًا منه كان نتيجة لسياسات كان يمكن تصميمها وترتيبها بصورة مختلفة؟ وهل جرى وضع الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات في مقدمة برنامج الإصلاح، أم أننا عالجنا الاختلال النقدي قبل أن نبني بالسرعة الكافية القاعدة الإنتاجية القادرة على دعمه؟
ثم يأتي دور البرلمان والحكومة
هل مارس البرلمان رقابته على برامج الاقتراض والإصلاح كما ينبغي؟ هل ناقش كل قرض باعتباره التزامًا على أجيال مقبلة، أم انحصر النقاش في الموافقة على الاتفاقات؟ هل طلب البرلمان كشفًا دوريًا يوضح أين ذهبت أموال القروض، وما العائد الذي تحقق منها، وما تكلفة خدمة الدين، وما أثرها على الموازنة العامة؟
وهل توجد آلية برلمانية مستقلة لتقييم برامج الإصلاح بعد تنفيذها، ومقارنة ما وعدت به الحكومة بما تحقق فعليًا؟
والحكومة كذلك أمام أسئلة لا يمكن تأجيلها. هل تنفي ما قاله الدكتور حسن الصادي؟ إذا كانت الإجابة نعم، فليكن النفي موثقًا بالأسماء والوثائق ومسارات اتخاذ القرار.
وإذا كان الكلام صحيحًا جزئيًا، فما حدود هذا الدور؟ ومن هم الذين شاركوا في إعداد هذه البرامج؟ وما طبيعة علاقتهم بالمؤسسات الدولية؟ وهل كانت لهم سلطة تقريرية أم استشارية؟
وإذا كانت الحكومة ترى أن هذه الإجراءات كانت الخيار الوحيد لإنقاذ الاقتصاد، فلتشرح للرأي العام ما البدائل التي درستها ولماذا رفضتها. فالمواطن ليس مطالبًا بأن يؤمن بالروشتة لمجرد أن قائلها خبير، ولا بأن يقبل كلفة الإصلاح بلا حساب.
نحن لا نبحث عن شماعة نعلق عليها كل أزماتنا، ولا عن إدانة صندوق النقد لمجرد أنه قدم تمويلًا لمصر. كما لا يجوز إعفاء الحكومات المصرية من مسؤوليتها بمجرد القول إن «الصندوق طلب». فالحكومة التي توقع هي المسؤولة، والسلطة التي تقر هي المسؤولة، والبرلمان الذي يوافق مسؤول عن رقابته، وكل من شارك في صناعة القرار مسؤول بقدر دوره.
لكن إذا كان هناك بالفعل من وضع الروشتة خارج مؤسسات الدولة، ثم جاء القرار ليُنفذ داخلها، فهذه مسألة أخرى تمامًا وتستحق تحقيقًا لا تصريحًا. لأن السؤال في النهاية ليس: هل اقترضنا؟ وإنما: من قرر أن نقترض؟ ولماذا؟ وبأي شروط؟ وأين ذهبت الأموال؟ وماذا حققت؟ ومن دفع ثمن الإصلاح؟ ومن يتحمل مسؤولية ما أخفق؟
والسؤال الأشد مرارة:
إذا كان الجميع يعلم أن الإصلاح الاقتصادي يجب أن يحافظ في النهاية على قدرة المواطن على الحياة، وعلى قوة العملة الوطنية، وعلى جودة التعليم والصحة والخدمات، فكيف انتهينا إلى اقتصاد يستطيع أن يدير أرقامًا ومؤشرات، بينما يعاني المواطن من تآكل دخله وقدرته الشرائية؟
هذه ليست دعوة إلى محاكمة اقتصادية بأثر رجعي، وإنما دعوة إلى كشف الحساب. فالدين العام ليس رقمًا في تقرير. إنه التزام على ظهر المواطن. والعملة ليست مجرد سعر في شاشة البنك. إنها قيمة عرقه ومدخراته وعمله. والإصلاح ليس مجرد شروط يوقع عليها المسؤولون. إنه حياة ملايين الناس. ومن حق هؤلاء جميعًا أن يعرفوا الحقيقة كاملة: من وضع الروشتة؟ من طلب القرض؟ من وافق؟ من نفذ؟ ماذا تحقق؟ ومن يتحمل المسؤولية؟