فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

إرث الروح

هناك أشياء لا نرثها عن آبائنا بمستندات رسمية، ولا توضع في خزائن أو تكتب في عقود ملكية، لكنها تظل أكثر ما يبقى منهم أثرا بعد الرحيل.. نرث ملامحهم في وجوهنا، وبعض كلماتهم في حديثنا، وعادات صغيرة ربما لم ننتبه إليها وهم أحياء، وبمرور الأيام، نتيقن أننا ورثنا ما أحبوه ولو كانت مجرد أصوات من السماء.


كان أبي رحمه الله من أولئك الذين كانت تلاوة القرآن بالنسبة إليهم أكثر من مجرد صوت يأتي من الراديو أو التلفزيون، فقد كان متيما بأصوات أساطين التلاوة، بل كان بينه وبين أصواتهم موعدا يوميا لا يفوته، أولئك الذين سخروا أصواتهم ليأخذوا القلب من ضجيج الدنيا إلى سكينة الروح والآخرة.


أدركت أنني كنت أتعلم من أبي شيئا، دون أن يعلمني إياه بالكلمات، كنت أتعلم أن للقرآن أبوابا يدخل منها الإنسان إلى نفسه.
 

لم أكن أدرك في عنفوان الشباب، قيمة تلك اللحظات، حين كنت أراه جالسا في مكانه المعتاد، يرتب مقاطع التلاوة في مجلدات صوتية، ينفض الغبار عن مكتبته العتيقة التي ضمت شرائط الكاسيت العتيقة لعظماء التلاوة، يستمع، وفي داخله خشوع وطمأنينة تتسرب ملامحها إلى من حوله.


اليوم، وبعد سنوات طوال، تغيرت علاقتي بدولة التلاوة، فأصبحت بعض التلاوات وقرائها تحمل ملامح أبي، أستمع إلى صوت أحدهم، فأشعر أن الزمن عاد بي، وأن أبي لم يراوح مكانه، يرتب كنزه الصوتي في هدوء، يستمع في خشوع، ولم أكن أعرف حينها أن تلك التفاصيل ستصبح يوما أجمل ما في حياتي الماضية.


كلما أثقلتني الحياة، وشعرت أن صخبها أصبح أكبر من قدرتي على الاحتمال، أعود إلى مكتبة أبي القرآنية، إلى تلك الأصوات التي أحبها، إلى ذلك العالم الهادئ الذي كان يجد فيه راحته،  بحثا عن لحظة واحدة من الأمان حتى لو استدعيته من الماضى، فتحت وطأة الشجن، نشعر برغبة في الابتعاد عن الضجيج، والخوف، والقلق، عن تلك المعارك اليومية التي تستنزف طاقة الروح، فقط نريد مساحة هادئة نلتقط فيها أنفاسنا.


فهمت بعد سنوات لماذا كان أبي يجد راحته في هذا الأمر، فالقرآن يمنحنا القدرة على الاحتمال، والرجاء في رحمة الله، واليقين بأن وراء ضيق اللحظة سعة لا نراها.


أتذكر أبي، وهو يستمع، ويوصينى ألا أفرط فى مكتبته، فأشعر أن أعظم ما تركه، كان طريقا قويما أعود إليه ومنه إلى الصواب، كلما ضل طريقي.

كان يستمع بحثا عن السكينة، وأنا اليوم أستمع بحثا عنها وعن أبي، فيظل كتاب الله حاضرا، شاهدا على حب لم ينته برحيل صاحبه، ففىرحاب كلام الله، تضيق المسافة بين الماضي والحاضر.
علمني أبي أن أحب صوت القرآن، ولم أكن أدرك أن أجمل ما في هذا الحب أنه سيصبح بعد رحيله، إحدى الطرق التي تقودني إليه كلما أوحشني مجلسه.