الأستاذ هاني شنودة
في حياة الشعوب، هناك فنانون يصنعون جزءا من هوية أوطانهم، حين يكونون أصحاب مشروع ثقافي مؤمن بأن الفن رسالة، ومؤمن بأن الإبداع الحقيقي قادر على حماية الهوية الوطنية.
لم يكن الموسيقار الراحل الأستاذ هاني شنودة باحثا عن الضجيج، بل ترك موسيقاه تتحدث عنه، فعلى مدار أكثر من خمسة عقود، أعاد صياغة شكل الأغنية المصرية، وقدم جيلا جديدا من الأصوات، وأسهم في تأسيس مدرسة موسيقية حديثة جمعت بين الأصالة وروح العصر، دون أن تتخلى عن الشخصية المصرية.
مزج الموسيقار الراحل الأستاذ هاني شنودة خليطا عجيبا، من جدعنة أولاد البلد، مع الحرفية الفنية التي لا تقبل الرداءة، إذ آمن بالمواهب ومنحها الفرصة عندما تردد الآخرون، فكان وراء انطلاق أسماء رنانة أصبحت الآن من رموز الغناء العربي، مؤمنا أن الاستثمار الحقيقي في الإنسان الموهوب، وأن بناء القوة الناعمة لا يقل أهمية عن أي إنجاز آخر.
لا زلت أحتفظ على هاتفي منذ سنوات بجزء من أحلى مقاطعه الموسيقية الشهيرة، فيطرب بها وجداني، فما أحلى تتر المشبوه، والحريف، ولونجا 79، ولونجا 85، والتراثية الشعبية للراحل الفنان أحمد عدوية "زحمة يا دنيا زحمة".
كانت فرقة المصريين، التي أسسها الراحل، نموذجا للفن الراقي الذي يخاطب المجتمع، ويعبر عن نبض الشارع بلغة موسيقية متطورة، لتصبح أغانيها جزءا من ذاكرة أجيال كاملة، وكان التجديد عنده توظيف الحداثة في خدمة الهوية المصرية، ما جعل موسيقاه تحتفظ بخصوصيتها رغم مرور الزمن.
كان الأستاذ هاني شنودة يدرك أن الفن أحد أهم أدوات القوة الناعمة، ولذلك ظل متمسكا بقيمة الكلمة واللحن، رافضا الانحدار بالذوق العام، مؤمنا أن الفنان مسؤول أمام وطنه وأمام جمهوره.
برحيل الأستاذ هاني شنودة، فقدت مصر واحدا من كبار صناع وجدانها، إلا أن الأعمال الخالدة لا ترحل مع أصحابها، فكل لحن صادق تركه، وكل موهبة اكتشفها، وكل تجربة موسيقية خاضها، أصبحت جزءا من تكوين التاريخ الفني المصري، وشاهدة على أن الإبداع الحقيقي لا يموت.
رحل الجسد، وبقيت النغمة، وبقي الدرس الأهم الذي قدمه الأستاذ هاني شنودة للأجيال الجديدة، ألا وهو أن الوطنية ليست مجرد كلمات تنطق، بل عمل مخلص، وإيمان بالوطن، وإصرار على أن يظل الفن المصري منارة تضيء للعرب جميعا.
رحم الله الموسيقار الكبير، الذي رسخ فينا أن الموسيقى ذاكرة وطن، وصوت شعب، ورسالة حب لمصر ستظل تتردد في وجدان كل من عرف قيمة الفن الحقيقي.
