فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

منتخبنا الحقيقي الذي لا يهزم!

في كل مرة يحقق فيها منتخب مصر لكرة القدم انتصارًا، تمتلئ الشوارع بالاحتفال، ثم ينقضي الفرح مع صافرة النهاية. لكن هناك منتخبًا آخر لا يعرفه كثيرون، لا يرتدي القمصان الرياضية، ولا تلاحقه الكاميرات، ومع ذلك يحقق لمصر انتصارات يبقى أثرها لعقود. إنه منتخب العلماء.


ولعل أول ما نزل من الوحي لم يكن أمرًا بالصلاة ولا بالصيام، وإنما كان أمرًا بالمعرفة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ثم جاء التكريم الإلهي لأهل العلم بقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وقال النبي ﷺ: «فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب». وكأن الرسالة منذ بدايتها كانت واضحة: لا تبنى الحضارات إلا بالعقول.


من هنا تصبح قصة الدكتورة عالية حسن عبد الفتاح أكبر من مجرد سيرة نجاح. فهي أستاذة طب الحالات الحرجة بكلية طب قصر العيني، وإحدى رائدات طب القلب النووي، ذلك التخصص الدقيق الذي يستخدم تقنيات الطب النووي لتشخيص أمراض القلب واكتشافها مبكرًا، بما ينقذ آلاف المرضى قبل أن تتحول الإصابة إلى مأساة.


في أوائل التسعينيات كانت تعمل مع نخبة علماء الولايات المتحدة، وأسهمت في تأسيس الجمعية الأمريكية لطب القلب النووي، وكان يمكن أن تواصل مسيرتها هناك، حيث الإمكانات والشهرة والمكانة العلمية. لكنها اختارت الطريق الأصعب؛ أن تعود إلى مصر، لا لتبحث عن منصب، وإنما لتنقل علمًا جديدًا إلى وطنها.


غير أن المفاجأة لم تكن في قلة الإمكانات، بل في مقاومة الفكرة نفسها. استقبلها بعضهم بالتشكيك، وقيل: إن إدخال مريض العناية المركزة إلى وحدة المسح النووي مغامرة قد تقتله، بينما كانت أحدث المراكز الطبية في العالم قد تجاوزت هذه المرحلة بسنوات.


هنا يظهر السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا: كم فكرة عظيمة ماتت لأنها وُلدت في بيئة لا تصدق الجديد؟ وكم عالمًا خسرناه لأننا ناقشنا شخصه قبل أن نفهم مشروعه؟


ومع ذلك لم تتراجع. أسست أول مدرسة مصرية في هذا التخصص، وأسهمت في إدخال تقنية ECMO لإنقاذ الحالات الحرجة، وشاركت في مشروع عالمي لدراسة المومياوات المصرية، ثم جاء التكريم بحصولها على الميدالية الذهبية للتأثير لعام 2026 من الجمعية الأمريكية لطب القلب النووي، بعد رحلة امتدت أكثر من ثلاثة عقود من البحث والعمل.


لكن الوقوف عند حدود التكريم يظلم القصة. فالوسام ليس الإنجاز، وإنما شهادة على إنجاز سبقها بسنوات. والقيمة الحقيقية ليست في فوز عالمة مصرية بجائزة، وإنما في الدرس الذي تمنحه للدولة والمجتمع.


إن الخطأ الذي نقع فيه دائمًا أننا نتصور أن نهضة الأمم تبدأ بالأموال، بينما يعلمنا التاريخ أنها تبدأ بالأفكار. المال يشتري الأجهزة، لكنه لا يشتري العقول. والمباني تُشيَّد في سنوات، أما المدارس العلمية فتحتاج إلى أجيال.


ولذلك فإن القضية ليست الدكتورة عالية وحدها، بل كل عقل مصري عاد إلى وطنه حاملًا علمًا جديدًا. فهل يجد مناخًا يحتضنه أم منظومة تختبر صبره؟ هل نقيس قيمة العالم بعدد سنوات خدمته الوظيفية، أم بحجم ما يستطيع أن يضيفه لوطنه؟ وهل ننتظر أن يكرمه العالم أولًا، ثم نتسابق نحن للاحتفاء به؟


يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "قيمة كل امرئ ما يحسنه." وإذا كانت قيمة الإنسان بما يحسن، فإن قيمة الأوطان بما تُحسن رعاية عقولها. فالدول التي سبقتنا لم تكن أغنى منا دائمًا، لكنها كانت أسرع منا في اكتشاف الموهبة، وأجرأ في تمكينها، وأقل خوفًا من الأفكار الجديدة.


إن خارطة الطريق ليست معقدة؛ أن يتحول العلماء إلى شركاء في صناعة القرار، وأن تُربط الجامعات بالصناعة، وأن تُحتضن الخبرات المصرية في الخارج قبل أن تحتضنها المؤسسات الأجنبية، وأن يصبح تقدير الباحث جزءًا من ثقافة الدولة لا مجرد احتفال موسمي.


ويبقى السؤال الأخير، وهو الأهم: إذا كنا نفخر بمن يحرز هدفًا يسعد الملايين لساعات، فلماذا لا نجعل من ينقذ حياة آلاف المرضى رمزًا وطنيًا للأجيال؟


فالأمم لا تصنع مستقبلها بمن يملأ المدرجات، وإنما بمن يملأ المعامل ومراكز الأبحاث وغرف العمليات. وهؤلاء هم المنتخب الذي لا يخسر، لأن كل انتصار يحققونه يضيف إلى عمر الوطن، وإلى كرامته، وإلى مكانته بين الأمم.

أتمنى أن تتبنى وزارتا التربية والتعليم والتعليم العالي فكرة جمع سير نماذج من عباقرة مصر الأحياء في كتاب لتدفع إلى تدريسه لأولادنا، في المدارس والجامعات كل حسب مستوى فهمه وإدراكه، وهنا يمكن تحقيق جملة أهداف.. 

أهمها خلق الحافز لدى شبابنا ليسلكوا نهج العلماء لا لاعبي الكرة ونجوم الفن والغناء، ثم وهذا مهم أن نرد الجميل للعلماء قوة مصر الناعمة الذين من دونهم لن نستطيع أن نباهي الأمم ولا أن نجد مكانا تحت الشمس!


وبقيت نقطة مهمة.. أين إعلامنا من قصص النجاح المبهرة في الطب وغيره من العلوم الأخرى والتكنولوجيا الحديثة. إنه للأسف يتناول ويشجع التفاهات والذي منه. وكله من أجل الترند والمال.