فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

تجليات الجبل الروحية بيننا وبين الصينيين

بدأت الرحلة، وانطلقت السيارة صعودا في طريق بدا مخيفا كلما توغلنا في عمق الجبل، ثم ترجلنا باحثين عن مكان للتخييم والمبيت. استقر اختيارنا على موضع صخري مرتفع منبسط في قمته ومن حوله حواف حجرية ونباتات غريبة وحشرات أغرب..

وفي الأسفل هوة سحيقة تكشف الوادي الفسيح المتعرج بين هضاب ونتوءات صخرية متنوعة الأشكال، والأشجار مختلفة الألوان بهجة تسر المتأملين من السابقين واللاحقين من الصينيين. خيم الليل، ولأول مرة أرى عتمة جبل مظلم مهيب لا نور إلا بصيص من بعض شرر حطب جمعناه وأشعلناه.


تجربة غريبة مررت بها وسط عتمة الجبل الحارس لإقليم شنشي للبر الصيني في "شان زلو"، وهناك عرفت معنى آخر لمفهوم الليل البهيم، وعلى الرغم من أني أستاذ للأدب، وكثيرا ما شرحت لطلابي آلاف المعاني حول بلاغة وبيان الليل في الأدب العربي وشعره.. 

ولكني لأول مرة أدرك معني الليل البهيم كمعايشة جبرية ليس في شدة ظلامه فحسب، إنما في صدى ترانيم طيور الجبل التي لم تكف عن تسابيح كإشارات ذات دلالة لمن يفهم، لمن يتجرأ ويتلحف الليل الأَلْيَل ليبصر ضوء الحكمة فيما يوحى إليه من طير الجبل.


وفي ضوء ذلك، تؤمن الثقافة الصينية بأن الجبل طاقة تناغم بين البشر والطبيعة، وقد غدت الجبال عند الصينيين رمزا للخلود ونقاء للروح والانسجام الكوني، والشجاعة والتحدي، والرهبنة والبحث عن حقيقة جوهر الوجود. هنا يتجرد الجبل من هيئته الجغرافية إلى كائن أكبر يمنح البشر الهدوء والتعلم والتدرب والحكمة.


جلال مهيب يبث في الوعي رهبة تجبر الإنسان على التوحد مع وقار وعزلة الجبل في لحظة ميلاد جديدة في سكون الليل وأسرار الجبل السحيقة، ربما هذا منح نور الحكمة للصينيين القدماء وبعثهم من جديد في لغز تقدمهم بعد فقر وضنك. 

 

مع تراتيل طيور الجبل شعرت أني واحد من حكماء الأسلاف الطاويين أو البوذيين، وبعد قليل سوف تحدث لي الاستنارة، وأقابل عابر الزمن؛ ليبذر في صدري الكمال، وابتسمت؛ فقلت: لم لا؟ والقلب هواه صوفي محمدي عامر بتلاوات القرآن. 

 

ووعيت لصوت طائر عنيد كأنه فوق خيمتي يصدح؛ ليمنعني من النوم طوال الليل، وظل على نفس الإيقاع برنة عالية يردد صداها فضاء الجبل السماوي، واستشعرت معنى لكلكة الطائر في قلبي بأن الجبل يوحد الحكمة، وإن اختلف مسارها.


وهو نفس الاستشعار الذي مس روحي عندما سرت بين دروب جبل الطويلات بمدينة "دهب" المصرية، وعلى الرغم من ضجيج الرفقة إلا أني كنت أتلمس صخور الجبل صاعدا حيث أفوز بمعنى من المعاني في وادي النجوم، وفي ليلة أخرى عرجت روحي فوق جبل موسى، وهناك التقطت الكثير من الصور، لعلي التقط ظل هذا الملاك في الليل البهيم بالحكمة الإسلامية، وتخيلت، كيف رأى موسى النار والألواح. وبدا سؤالا سرمديا كان يداعب خيال طفولتي وحتى الآن، كيف وجد رسولنا الكريم الملاك في غار حراء.


الجبل معتقد، هكذا رأيته، حامل السر. راسخا بحق اليقين بعد أن تجلى عليه الحق. انتابني شعور بطواف روحي من داخل عتمة خيمتي حول جبال البر الصيني بإقليم شنشي وجبال سيناء المصرية، وقد رأيت من فضاء الحكمة والتأمل الداخلي، قمم تموج في بعضها البعض من خلوات ومقامات للترقي وللاستنارة والانقطاع عن الخلق للخالق حيث يعود الإنسان إلى رحم الطبيعة الأم.


وبين فكرة الذوبان بين الجبل والإنسان معا في جوهر كوني واحد بهدف الوصول إلى الفراغ لتطهير العقل ومن ثمة الاستغراق والسكينة المطلقة كما عند المعتقدات الصينية. وفكرة الطواف في الأرض أثناء خلوات الجبل طلبا للحق بعد مشاهدات عين اليقين وعلم اليقين وصولا لحق اليقين بهدف الوصول للمقامات الإلهية عبر الفناء في الله كما عند الصوفية الإسلامية. 

 

تبقى تجربة الجبل في المعتقد الصيني والإسلامي تجربة مفسرة لثنائية العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان والله. وفي الحالتين تصل لمعنى كيفية أن تكون إنسانا مثاليا كاملا في الثقافة الصينية، وإنسان محسن في الثقافة الإسلامية. وفي كل الأحوال تؤكد الثقافتان الصينية والإسلامية ضرورة أن يخرج الإنسان لو مرة بالعمر بعد أن خرج من رحم تجويف الأديم البشري أن يدخل إلى تجويف صخري في كهف أو غار بعمق الجبل كي يتحقق.


لا شك أن مسألة الجبل بين الثقافة الصينية والإسلامية أمر مغري للبحث والدراسة المقارنة حيث كشف الدلالة الدينية والفلسفية والجمالية. خاصة وأن الجبل في الثقافتين ليس مجرد تضاريس جغرافية، بل روح تتماوج فيه ظلال المعتقدات الدينية بكافة أشكالها وطقوسها، فهو كائن حي مُعلم روحاني يمنح هبة التأمل والمعرفة والقداسة. 

كذلك تعتبره الثقافة الإسلامية آية من آيات الله التي تبرهن على وجود وعظمة الله سواء في التجلى أو الحديث مع الله، وهو فضاء روحي حاضر بقوة في التصوف الإسلامي للتعبد والتأمل، والتزهد، والعزلة والخلوة.


وهذا يفتح أفقا ومسارا لرحلة البحث المعرفي والمقارنة التي دارت بخيالي أثناء الليل وأشباح الخوف تطل من ثغور الكهوف حولي لتتراقص كزوبعة ريح تشد الغطاء من فوق رأسي وتحرك خيمتي وفحيح نجوى البهيم تسري وتسوس لعقلي بالأفكار، وبدأت أدون بأنملتي على الغطاء الحروف والمعاني واستنطاق سر الوحي والهيبة والرهبة بين شقوق الجبال المقدسة التي طوفت حولها بين الثقافتين، والسر المشترك بينهما. 

وبدأت في اختيار العناوين لعدة أوراق بحثية على نحو: كيان الجبل ودلالته في الثقافة الصينية والإسلامية دراسة مقارنة. الجبل بين الوحي الإلهي والإلهام البشري في تطور المعتقدات العربية والصينية. خلوة الجبل بين القداسة والتأمل في الفكر الصوفي والصيني. وأخيرا بحكم محبة الأدب قفز بذهني: تمثلات الجبل في الأدب العربي والصيني. 


وبالفعل بدأت أتكلم مع نفسي وأناقشها وأصوبها حول طرح نقاط التشابه والاختلاف في صورة الجبل بيننا وبين الصينيين حيث إن الجبل لم يكن صخرا مجردا، بل كان كائنا حيا فيه ما يجذب البشر إليه منذ أن اعتبره الإنسان الأول مسكنا في كهوفه، وملجأ له من الخوف وقسوة الطبيعة، وتسلط الظالمين إلى أن تخطت البشرية هذا المفهوم في أطوراها الإنسانية المتقدمة، والنظر إلى الجبل باعتباره فضاء للتأمل والعزلة واكتشاف الذات ثم ارتباط الجبل بالقداسة والسمو الروحي. 

 

كذلك حضوره القوي في الأدب والفنون والعقائد. وصولا لاعتبار الجبل وكرا للجريمة والإرهاب والتمويه، فضلا على كونه فضاء سرمدي للجن وهوام الأرض في الثقافة الشعبية. كلها نقاط مشتركة حول تصورنا عن الجبل بيننا وبين الصينيين.


رحلة طويلة لا أريد الانتهاء منها إلا أن أصل لثمالتها، فتمنيت أن أطوف على جبال الصين الخمسة المقدسة في لحظة واحدة لأسأل الرهبان عما رأوا. وأحببت أن أسبح في الفضاء وأتقافز بين قمم الجبال من مشرق الأرض ومغاربها كي أجمع بعضا من زاد البعيد وأملأ الجعبة بعبارة واحدة: هنا وهناك رأيت الله في صمت وجلال.


البلاغة وهي معجزة اللغة العربية فيها أسرار المعاني والبيان والبديع بهم جميعا يكمن جمال الله ومعجزته في خلق الجبل الذي ذهب إليه الأنبياء وأصحاب المقامات، وفي جل المعاني البلاغية وبيانها وبديعها قد ربطت الجبل بالحضور الثالث بين الإنسان والله، أي أنه قد ربط في الذهنية الإسلامية بين الجبل والله حيث علاقة التقي بالله والوحي وعظمة القدرة الإلهة.. 

 

وعلى صعيد آخر في المشرق الصيني قد تم ربط الجبل كنموذج مصغر للفضاء الكوني ومعراج الإنسان للانسجام مع الطبيعة ليصل إلى درجات الكمال البشري، وللمقارنة بين الصورتين أجد أن الجوهر واحد وهي مقابلة الإنسان لنفسه، ومن هناك يبدأ الطريق ما يعتقده. وأرى في الطريق أن الله هو المعنى والبيان والبديع هو بلاغة الروح المتأملة المنسجمة المتحققة التي تبلغ الناس بشكل أو بآخر عن الله في ثوب الإنسانية المتسامحة، وإن اختلفت اللغات.


وعلى سبيل المقارنة الحضارية بين جبال الصين المقدسة والعامة فهي مفتوحة للجميع ومرتع أمان وسلام وطمأنينة كفضاء سياحي وروحي، ومزارات غاية في التنسيق الجمالي للطبيعة لتتبع مسارات الرهبان والأسلاف والحكماء، فلكل جبل له حكاية ما. 

 

الصينيون اعتنوا بجبالهم وجعلوا منها متنفسا للناس وللراحة والتريض والتخييم والتأمل. باختصار تعاملت الأجيال اللاحقة والآنية من الصينيين مع الجبل باعتباره حضارة في حد ذاته، وليس بعدا جغرافيا فحسب، إنما ميراث روحاني يعيد ضبط بوصلة الاتزان إلى الصيني المعاصر في خضم معارك الحاضر وتوحشها.

أما عن جبالنا كعرب من جبال العراق والشام خاصة جبل قاسيون في سوريا، واليمن ونجد والحجاز خاصة جبل حراء أو النور، وجبال البحر الأحمر وجبال الأطلسي، فهي جبال فقيرة من سياحة الفكر الروحاني والديني والثقافي علي الرغم من ثرائها وثقل إرثها الحضاري.. 

وهو نفس حال الفقر مع جبال مصر، فلا شك أن جلال جبال سيناء وهيبة ورهبة جبل المقطم بالقاهرة القديمة فيها من مسارات الفكر الروحاني الذي يجهله عامة الناس في مصر وهم بحاجة ماسة لمعرفة إرثهم الروحي والثقافي وعلاقتهم بجبالهم حتى يقيهم من روح الشعوذة والاستغفال الحضاري.. 

فضلا عن أن جبالنا في المنطقة الناطقة بالعربية كلها مرويات بطولة وشجاعة وزهد واعتزال وخلوات تثير الفضول على خوض المسير والبحث عن النقش الذي بان وأين تجلى، وعن السر الإلهي الذي قرن الجبل بفعل اقرأ، لربما إذا أتيحت هذه الجبال لكافة العرب فيقرؤون.