مصارحة الرئيس واستجابة الحكومة (2-2)
جاء حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفالات العيد الرابع والسبعين للشرطة كاشفًا ومباشرًا، لا يترك مساحة للتأويل أو انتظار الإشارات، رسالة واضحة لكل مسؤول في هذا البلد: اعمل من موقعك، ولا تنتظر توجيهًا من سلطة أعلى، فالجميع مسؤول، والجميع سيُسأل، وهو المعنى الحرفي والدقيق لحديث النبي الكريم ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»؛ حيث لا تُختزل المسؤولية في القمة، ولا تُعفى منها القاعدة.
حديث الرئيس عن التعليم والصحة والجيش والشرطة جاء ليؤكد أن الإصلاح شامل، وأنه لا توجد مناطق محصنة ضد النقد أو التطوير. دعم المؤسسات لا يعني التغاضي عن أوجه القصور، بل على العكس، يعني امتلاك الشجاعة للاعتراف بالخلل ومعالجته.
فالثقة الحقيقية لا تُبنى بالإنكار أو التبرير، وإنما بالتصحيح والمراجعة والمساءلة. وهذه القاعدة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الأداء الخدمي، بل يجب أن تمتد إلى صلب السياسات، وفي مقدمتها السياسة الاقتصادية وما يتعلق بالتعليم والصحة على وجه الخصوص، ناهيك عن كل ما يتعلق بحياة الناس.
وفي مخاطبته الصريحة لوزير الأوقاف، حين قال بوضوح إن من لا يستطيع أداء عمله فليغادر، تتجلى فلسفة حاكمة للمرحلة المقبلة: الكفاءة أولًا، والقدرة على الإنجاز شرط أساسي للبقاء في المنصب. لم يعد مقبولًا أن يتحول الموقع العام إلى مساحة للوجاهة الاجتماعية أو الراحة الإدارية. المنصب العام وظيفة شاقة، ومسؤولية ثقيلة، ومن يعجز عن حملها عليه أن يتركها طواعية قبل أن يُطلب منه ذلك.
وإذا انتقلنا من الخطاب إلى ما ينبغي على الحكومة ووزرائها ومحافظيها فعله في ضوء هذه الرسائل، فإن المطلوب يتجاوز ردود الفعل الإعلامية أو البيانات المطمئنة. المطلوب أولًا مراجعة جادة للأداء: ماذا أُنجز فعلًا؟ وما الذي تعثر؟ ولماذا؟ ثم الانتقال من ثقافة الدفاع عن الذات إلى ثقافة الاعتراف بالأخطاء، والمبادرة بتصحيحها تلقائيًا دون انتظار تعليمات عليا أو ضغط شعبي.
ثانيًا، على كل وزارة ومحافظة أن تعيد تعريف أولوياتها من زاوية المواطن لا من منظور المكاتب المغلقة. فالخطاب كان واضحًا في أن الهدف النهائي هو الحياة الكريمة، وهي لا تتحقق بالشعارات، بل حين تُترجم السياسات إلى خدمات ملموسة، وعدالة في الوصول إليها، واحترام لكرامة الناس في تعاملهم اليومي مع أجهزة الدولة.
ثالثًا، الشفافية لم تعد ترفًا أو شعارًا، بل ضرورة لبناء الثقة. إتاحة المعلومات، وضوح القرارات، محاسبة المقصرين علنًا، ومكافأة المجتهدين بإنصاف؛ كلها أدوات أساسية لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالثقة لا تُصنع بالكلام، بل بسلوك إداري يشعر المواطن أن الدولة تعمل من أجله، لا فوقه.
وأخيرًا، يحمل الخطاب دعوة صريحة للتفكير خارج الصندوق. فالأزمات المتراكمة لا تُدار بالأدوات القديمة وحدها، ولا بالحلول التقليدية التي أثبتت محدوديتها. تعظيم الابتكار، والاستفادة من الكفاءات الشابة، وفتح المجال للأفكار غير النمطية، لم تعد خيارات ثانوية، بل صارت ضرورة حتمية في لحظة تتطلب قرارات جريئة لا مسكنات مؤقتة.
في المحصلة، هذا الخطاب ليس رسالة تحذير بقدر ما هو فرصة. فرصة لإعادة ضبط البوصلة داخل مؤسسات الدولة، ولإحياء معنى الخدمة العامة بوصفها أمانة لا امتيازًا. من يلتقط الرسالة بجدية قد يسهم في دفع الدولة خطوة حقيقية إلى الأمام، ومن يتجاهلها يكون قد اختار موقعه بنفسه خارج سياق المرحلة.
ويبقى السؤال المفتوح، الذي لا يحتاج إجابة خطابية بقدر ما ينتظر إجابة عملية على أرض الواقع:
كم مسؤولًا اليوم يملك الشجاعة والاستعداد والقدرة على تحويل رسائل الرئيس من كلمات واضحة إلى أفعال ملموسة؟ وكم منهم يدرك أن الزمن لم يعد يسمح بالتجريب أو التباطؤ، وأن صبر الناس، مهما طال، ليس بلا حدود؟
والأهم: كم مسؤولًا يستطيع أن يترجم هذا الخطاب إلى واقع يلمسه المواطن في معيشته اليومية؛ في سعرٍ أعدل، وخدمةٍ أيسر، وفرصة عملٍ حقيقية، وإدارة تحترم إنسانيته قبل أوراقه؟ واقع يخفف وطأة المعاناة الاقتصادية، ويعيد بناء منسوب الرضا والأمان لدى مواطن تحمّل الكثير، ولا يزال يتحمّل، منتظرًا أن يجني ثمار صبره في عزٍّ وكرامة، لا منّة فيها ولا تأجيل.
وفي النهاية كم مسئولا تمت محاسبته.. وأيضا متى كان للبرلمان دور حقيقي في المساءلة طبقا لما نص عليه الدستور؟!