عمرو أديب.. ليتهم يتعلمون!
بعيدًا عن منطق الاتفاق أو الاختلاف مع المذيع عمرو أديب، يصعب إنكار حقيقة باتت واضحة في المشهد الإعلامي المصري: الرجل يمثل اليوم حالة استثنائية من حيث القدرة على ملامسة نبض الشارع، والاقتراب دون مواربة من أوجاع الناس وهمومهم اليومية.
هذا الحضور لا يرتبط فقط بأسلوب التقديم أو الخبرة الطويلة، بل بقدرة واعية على التقاط القضايا التي تتحول من شكاوى فردية متناثرة إلى رأي عام مكتمل الأركان.
حين يتناول أديب قضايا مثل الضريبة العقارية أو ضريبة الهواتف المحمولة للمصريين بالخارج، أو أزمة باقات الإنترنت التي تنفد قبل موعدها في أغلب البيوت المصرية، فهو لا يطرحها كعناوين عابرة أو مواد للجدل المؤقت، بل يعيد ترتيبها في سياقها الطبيعي: عبء متراكم على مواطن يشعر أن قدرته على الاحتمال تُختبر يومًا بعد يوم.
والأهم أنه لا يتعامل مع هذه الملفات بوصفها تريندات إلكترونية، بل كقضايا حقيقية اشتعل النقاش حولها لأن الناس تضررت منها فعليًا.
في هذا السياق، نجح عمرو أديب في أداء وظيفة غابت أو تراجعت لدى كثير من مقدمي برامج التوك شو: وظيفة الوسيط بين الشارع وصانع القرار. فهو يضع الصورة كاملة أمام المسؤول، لا من باب التحريض ولا من باب المكايدة، بل من باب الإضاءة على زاوية مهملة أو مسكوت عنها.
وحتى حين تنكر الحكومة بعض هذه الأزمات أو تقلل من حدتها، يبقى طرحها إعلاميًا بهذا الوضوح اعترافًا بوجود فجوة إدراكية بين ما يُقال رسميًا وما يعيشه المواطن فعليًا.
في المقابل، تبدو قطاعات واسعة من الإعلام التليفزيوني وقد فقدت هذه الحساسية. كثير من البرامج انزلقت إلى خطاب مكرر، أو لغة دفاعية تبريرية، أو قضايا بعيدة عن هموم الناس المباشرة. النتيجة كانت نفورًا ملحوظًا من الجمهور، تجلى في تراجع نسب المشاهدة، وضعف التفاعل، وشعور عام بأن بعض الشاشات لا تعكس الواقع بقدر ما تحاول تجميله أو الالتفاف حوله.
المواطن بطبيعته لا يطلب إعلامًا معارضًا ولا إعلامًا مُهادنًا، بل إعلامًا صادقًا، يشعره أن صوته مسموع وأن معاناته ليست موضع إنكار أو تسفيه.
وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا يلتف الناس حول برامج بعينها وينصرفون عن أخرى؟ الإجابة لا تتعلق فقط بشخص المذيع، بل بمنهج التناول. حين يرى المواطن نفسه على الشاشة، حين يسمع مشكلته تُطرح باسمه الحقيقي لا بمسميات مخففة، وحين يشعر أن هناك من يتحدث بلغته لا من فوقه، يتولد تلقائيًا هذا الارتباط العاطفي والذهني مع البرنامج ومقدمه.
غير أن نجاح إعلامي بعينه، مهما بلغ، لا يكفي وحده. فالإعلام في نهاية المطاف ليس بديلًا عن السياسات، ولا عن القرارات التنفيذية. وهنا تتقاطع هذه المسألة مع خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخير، الذي حمل مكاشفة واضحة للمسؤولين، ودعوة صريحة لتحويل الأقوال إلى أفعال.
فالإعلام الذي ينقل نبض الشارع يؤدي نصف المهمة فقط، أما النصف الآخر فيقع على عاتق حكومة قادرة على الترجمة الفعلية لهذه الرسائل إلى سياسات تخفف العبء، وتزيد منسوب الرضا والأمان، وتمنح الناس إحساسًا بأن ما يُقال على الشاشات لا يذهب هباءً.
ومن ثم يظل السؤال مطروحًا بإلحاح: متى نرى خريطة برامج توك شو يرى المواطن فيها نفسه على أكثر من شاشة؟ متى يصبح الاقتراب من هموم الناس قاعدة لا استثناءً؟ ومتى يدرك بعض الإعلاميين أن المصداقية، لا الصوت المرتفع ولا الخطاب الجاهز، هي العملة الحقيقية في معركة استعادة ثقة الجمهور؟
أسئلة لا تخص عمرو أديب وحده، بل تخص مستقبل الإعلام كله، ودوره في لحظة تتطلب قدرًا عاليًا من الصراحة، والوعي، والانحياز الصادق للناس. وأخيرًا..ليت أحمد موسي والديهي وخالد أبو بكر وغيرهم يتعلمون من عمرو أديب.. لعلهم يفقهون.