فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

مجلس السلام في غزة.. ذراع ترامب المخيف لإنجاح مشروعه الاستعماري الجديد.. ذا جارديان: ترامب نصب نفسه إمبراطورا للقطاع.. والتشكيل تجاهل ضم أي فلسطيني لصالح مطوري عقارات بينهم ملياردير إسرائيلي

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

يثير مشروع "مجلس السلام" الذي يطرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإدارة غزة موجة انتقادات واسعة، إذ يراه مراقبون شكلا صارخا من الاستعمار الجديد، يهدد مستقبل الفلسطينيين ويكشف تراجع الادعاءات الأخلاقية للهيمنة الأمريكية، وفق مقال نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية للكاتب البريطاني أوين جونز.

يقول جونز: إن مصير الشعب الفلسطيني يقدم تحذيرا بشأن مستقبل الإنسانية، فعندما زرت الضفة الغربية مؤخرا، ظل الفلسطينيون يكررون النقطة نفسها أمامي: لقد حولت إسرائيل أرضهم إلى مختبر، فالتكنولوجيا القمعية التي استخدمتها -بما في ذلك خلال إبادة غزة- تتراوح بين المراقبة عالية التقنية والطائرات المسيرة العسكرية والذكاء الصناعي في ساحة المعركة، وقد جرى تصدير هذه التقنيات إلى دول قمعية حول العالم، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد.

 

محطة الوصول إلى مجلس السلام

يضيف الكاتب: هنا نصل إلى "مجلس السلام" الذي يقترحه دونالد ترامب، والمقرر له الآن أن يحكم غزة، في قرية ساتون كورتيناي الهادئة بمقاطعة أوكسفوردشير، حيث يرقد جورج أورويل مدفونا، كان ينبغي أن تهتز الأرض نفسها، فهذا ليس سلاما، بل استعمار جديد مكشوف.

وتابع: لا يوجد مقعد واحد مخصص لفلسطيني، فضلا عن عدم مشاركة أي شخص من الناجين من حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، وسيتولى ترامب رئاسة المجلس بصفته الشخصية لا بصفته رئيسا للولايات المتحدة، أي بعبارة أخرى: إمبراطور غزة، ومن بين المدعوين توني بلير، المكروه في أنحاء الشرق الأوسط بوصفه أحد مهندسي الغزو غير القانوني للعراق، وإذا كنت تتساءل عن خبرته في إعادة إعمار الأراضي العربية المدمرة، فتذكر ما خلص إليه تقرير تشيلكوت حول تلك الكارثة؛ حيث يقول التقرير: فشلت المملكة المتحدة في التخطيط أو الاستعداد لبرنامج إعادة الإعمار الكبير المطلوب في العراق".

تقرير تشيلكوت: غزو العراق اعتمد على معلومات استخباراتية مغلوطة

وبعيدا عن المقال، فإن تقرير تشيلكوت يغطي الفترة ما بين 2001 و2009، وأعده رئيس لجنة التحقيق بشأن حرب العراق سير جون تشيلكوت مؤكدا أنه لم يكن هناك أي تهديد وشيك من صدام حسين، وكان من الممكن تهيئة استراتيجية احتواء والاستمرار بها لبعض الوقت، وكانت غالبية مجلس الأمن تدعم استمرار الأمم المتحدة في أعمال التفتيش والمراقبة، وأن الحديث عن تهديدات أسلحة الدمار الشامل العراقية كانت غير مبررة؛ وأن المعلومات الاستخباراتية لم تقدم بما يقطع الشك باليقين أن صدام حسين استمر في إنتاج أسلحة كيمائية وبيولوجية، ولم تكن سوى معلومات مغلوطة وغير دقيقة لتبرير غزو العراق.

مطورو العقارات يهيمنون على "مجلس السلام"

بالعوة إلى المقال، يقول الكاتب: يضم مجلس السلام في غزة على الأقل اثنين من مطوري العقارات، من بينهم جاريد كوشنر، صهر ترامب، الذي تفاخر سابقا بالإمكانات القيمة جدا لـلواجهة البحرية في غزة، والملياردير الإسرائيلي هو ياكير جباي، وقطب الاستثمارات الأمريكي هو مارك روان. كما تلقى فلاديمير بوتين دعوة أيضا، بحسب الكرملين، وهو الذي ساهم في ريادة تدمير أراض يغلب عليها المسلمون في الشيشان.

غزة في عيون ترامب.. منتجع فاخر بلا فلسطينيين يتوسطه تمثال له مصنوع من الذهب

يضيف جونز: الإشارات إلى الوجهة التي يسير نحوها هذا المشروع ليست خفية. فترامب يطالب كل دولة بمليار دولار مقابل العضوية الدائمة، ويبدو أن مسودة الميثاق تشير -بحسب بلومبرج- إلى أنه سيسيطر على هذه الأموال. وقبل عام، اقترح إعادة توطين سكان غزة بشكل دائم ما يعني دعوة صريحة إلى التطهير العراقي. كما نشر مقطع فيديو مولدا بالذكاء الصطناعي يصور غزة كمنتجع فاخر، يتوسطه تمثال ذهبي ضخم له.

ساذج من يتخيل تخلي ترامب عن حلمه الاستعماري في غزة

ويمضي الكاتب قائلا: سيكون من السذاجة افتراض أنه تخلى عن مثل هذه الخطط، حتى وإن بدا أن ضغوط الدول العربية أحدثت بعض التأثير العام الماضي، عندما قال إن "أحد لا يطرد أي فلسطيني". وقد اتضح ذلك في تصريحات لم تحظ باهتمام كاف أدلى بها خلال مؤتمر صحفي أخير مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. إذ قال ترامب إن سكان غزة "لو أُتيحت لهم فرصة للعيش في مناخ أفضل، فسوف ينتقلون. إنهم هناك لأنهم مضطرون إلى حد ما".

نتنياهو تعمد تحويل غزة إلى خراب يشبه نهاية العالم

واستند ترامب إلى استطلاعات رأي تشير إلى أن ما يقرب من نصف سكان غزة سيغادرون. وهذا ليس مفاجئا: فقد تحولت المنطقة إلى خراب يشبه نهاية العالم، ويعيش الناجون في خيام محرومين من أساسيات الحياة، بحسب المقال.

ويكمل: عندما يقول نتنياهو إن الفلسطينيين "سيسمح لهم بالخروج"، فمن الواضح أنه يتوقع ألا يعودوا. ففي بداية الإبادة، أيد نتنياهو سرا مبدأ "الهجرة الطوعية"، ربما لأنه كان يعلم أن جيشه سيجعل غزة غير قابلة للعيش. وقال لحلفائه قبل عامين: "مشكلتنا هي العثور على دول مستعدة لاستيعاب الغزيين، ونحن نعمل على ذلك"؛ واعتراف إسرائيل مؤخرا بأرض الصومال قد يصبح مفتاحا لحل تلك المشكلة. لقد أصبحت غزة أرضًا مدمرة، ومقدّرًا لها أن تتحول إلى مشروع ربحي لمطوري العقارات وحاشية ترامب.

ميثاق مجلس السلام لا يذكر غزة

ووفق الكاتب، فإن ميثاق "مجلس السلام" لا يذكر غزة من الأساس. ويبدو وكأنه محاولة لبناء بديل عن الأمم المتحدة؛ فهو أداة فظة لممارسة ترامب للنفوذ الأمريكي. وبعبارة أخرى، هذا نموذج يحتذى، مع اعتبار غزة مجرد تجربة أولى.

ويستطرد: ومع ذلك، إذا كان ترامب يعتقد أن هذا سيخدم مصالح الهيمنة الأمريكية، فإن صداما قاسيا مع الواقع ينتظره. فقد قامت الهيمنة الغربية على ثلاثة أعمدة هي التفوق العسكري، والهيمنة الاقتصادية، والتفوق الأخلاقي. الأول سقط في حقول القتل في العراق وأفغانستان. والثاني تهاوى بفعل الأزمة المالية عام 2008. أما التفوق الأخلاقي؟ فقد كان دائما خدعة، كما تشهد بذلك غرف التعذيب في الديكتاتوريات المدعومة أمريكيا في أمريكا اللاتينية أو جلود الأطفال الفيتناميين المحترقة بنابالم أمريكي. لكن، بخلاف المنافسات القديمة بين القوى العظمى، جرى تسويق الحرب الباردة على أنها صراع بين فلسفات عالمية: الديمقراطية والحرية مقابل الاشتراكية والمساواة. وجرى تصوير انهيار الاتحاد السوفييتي على أنه انتصار للعقيدة الغربية.

الإفلاس الأخلاقي الأمريكي فضحته أجساد العراقيين العراة في سجن أبو غريب

يقول جونز: ومع تصوير جنود أمريكيين وهم يبتسمون ابتسامات جامدة بينما يجري تكديس عراقيين عراة في هرم بشري بـ سجن أبو غريب، تلاشت تلك الادعاءات الأخلاقية. وعندما سلح الديمقراطيون الأمريكيون إبادة غزة وسهلوا وقوعها، انكشف الإفلاس الأخلاقي الأمريكي بوصفه أمرًا مشتركًا بين الحزبين.

تأسيس مجلس السلام على جثث شهداء غزة جراء الإبادة الإسرائيلية
تأسيس مجلس السلام على جثث شهداء غزة جراء الإبادة الإسرائيلية

ويختتم الكاتب مقائله قائلا: لقد اختفت الادعاءات بأن الهيمنة الأمريكية مدفوعة بالرغبة في حماية حرية البشرية جمعاء، أو بأنها "دولة تكون نورا للأمم ومدينة مشرقة على تل" كما قال رونالد ريجان؛ إذ إن صراحة ترامب الفجة لا تؤدي إلا إلى تسريع سقوط القوة الأمريكية. فقد كان التفوق الأخلاقي خدعة دائما، لكنه كان كذبة مفيدة، إذ وفر قدرا من الدعم والقبول. أما الآن وقد ماتت هذه الكذبة، فسيصبح العالم أكثر رغبة في طي الصفحة على سادته المتعثرين.