كرة القدم كشفت ما تجاهله التاريخ، قصة دخول الإسلام السنغال قبل ألف عام
منذ لحظة فوز منتخب السنغال بكأس الأمم الأفريقية، لم تقتصر ردود الفعل على الإنجاز الرياضي، بل لفتت مشاهد اللاعبين وعلى رأسهم النجم ساديو ماني، وهم يؤدون صلاة الجمعة، ويحملون السبح، ويرتدون الجلابيب في كواليس البطولة، انتباه المتابعين في المنطقة العربية.
تلك الصور التي انتشرت على نطاق واسع فتحت باب التساؤل حول الخلفية الدينية والثقافية لدولة أفريقية بعيدة جغرافيًا عن العالم العربي، ولاقت تعاطفًا عربيًا ملحوظًا، والأسئلة التي تطرح نفسها: ما قصة الإسلام في السنغال وما هي مواقفهم من القضايا الإسلامية ولماذا لم تتحول إلى دولة عربية ؟
كيف دخل الإسلام إلى السنغال؟
تشير أغلب الدراسات التاريخية إلى أن الإسلام بدأ في الوصول إلى منطقة حوض نهر السنغال خلال القرن الحادي عشر الميلادي، عن طريق التجارة والتفاعل الثقافي وليس الفتح العسكري.
في تلك الفترة، كانت المنطقة جزءًا من كيانات سياسية أفريقية قديمة، أبرزها مملكة التكرور، التي قامت منذ القرن التاسع الميلادي في مناطق تمتد بين شمال السنغال وجنوب موريتانيا.
وتعد مملكة التكرور أول كيان سياسي معروف في غرب أفريقيا يعتنق الإسلام رسميًا، بعد إسلام ملكها في منتصف القرن الحادي عشر، وفق ما أورده عدد من المؤرخين العرب، من بينهم البكري وابن خلدون، وهذا التحول شكل نقطة انطلاق لانتشار الإسلام في محيط المملكة، خاصة مع موقعها الاستراتيجي على طرق التجارة العابرة للصحراء الكبرى.
وحسب الباحثين لم تكن القوافل القادمة من شمال إفريقيا تنقل السلع فقط، مثل الذهب والملح، بل حملت معها العلماء والفقهاء والتقاليد الإسلامية، ما جعل انتشار الإسلام يتم تدريجيًا عبر الاحتكاك الاجتماعي والتبادل الثقافي، لا عبر الإكراه.
ومع الوقت، أصبحت التكرور مركز إشعاع ديني، ساهم في انتقال الإسلام جنوبًا داخل غرب إفريقيا ولاحقًا، اندمجت التكرور سياسيًا داخل إمبراطوريات إسلامية أكبر، أبرزها إمبراطورية مالي، إلا أن أثرها الديني ظل قائمًا، بوصفها النواة الأولى لتشكل الهوية الإسلامية في الأراضي التي تعرف اليوم بالسنغال.
ويرى بعض الباحثين أن التأثير الإسلامي سبق هذا التحول الرسمي، من خلال تجار مسلمين قدموا من القيروان وتلمسان، وأسهموا في نشر الثقافة الإسلامية قبل ظهور البنية السياسية المنظمة.
سر عدم تحول السنغال إلى اللغة العربية
السنغال حاليا من أكثر الدول ذات الأغلبية المسلمة في إفريقيا، حيث يقدر المسلمون بنحو 90 في المئة من السكان، ومع ذلك يبدو لافتا أنها لم تتحول إلى دولة ناطقة بالعربية.
ويرجع الباحثون ذلك إلى أن العربية لم تكن اللغة الأصلية للمجتمعات المحلية، التي اعتمدت لغات مثل الولوف، والفولاني، والسيرير في حياتها اليومية.
ومع دخول الاستعمار الفرنسي، فرضت الفرنسية كلغة رسمية للإدارة والتعليم، ما عزز حضورها في المجال العام، بينما بقيت العربية حاضرة في السياق الديني والتعليم التقليدي المرتبط بالقرآن والعلوم الشرعية، دون أن تتحول إلى لغة تخاطب يومي أو إدارة دولة، وهو منهج هذا تكرر في عدد من دول غرب إفريقيا ذات الأغلبية المسلمة.
دور الصوفية في نشر الإسلام بالسنغال
لعبت الطرق الصوفية دورًا محوريًا في ترسيخ الإسلام داخل المجتمع السنغالي، حيث برزت طرق ذات تأثير واسع، من بينها الطريقة المريدية التي أسسها الشيخ أمادو باه في أواخر القرن التاسع عشر، والتي لم تقتصر على الجانب الروحي، بل امتدت أدوارها إلى التنظيم الاجتماعي والاقتصادي، وأصبحت عنصرًا فاعلًا في الحياة العامة.
ولا يعرف الكثيرين أن السنغال اتخذت مواقف داعمة للقضايا الإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، فتاريخيًا، تولت السنغال رئاسة لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الشعب الفلسطيني منذ عام 1975، واستمرت في دعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير داخل المحافل الدولية.
كما شهد الشارع السنغالي مظاهرات وفعاليات تضامن مع الفلسطينيين، خاصة خلال فترات التصعيد في غزة، في حين عبرت شخصيات رسمية، من بينها رئيس الوزراء عثمان سونكو، عن مواقف ناقدة للانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين.
وتبدو السنغال اليوم دولة أفريقية ذات هوية إسلامية واضحة، تشكلت عبر قرون من التفاعل التاريخي والثقافي، دون أن تنتمي لغويًا أو سياسيًا إلى العالم العربي، لكنها تحتفظ بمكانة خاصة داخل الفضاء الإسلامي الأوسع، والتزام لاعبيها بالطقوس الإسلامية في كأس الأمم الإفريقية أعاد تذكير المتابعين بها.