صاروخ باتريوت الأمريكي في اختبار صعب.. زعمت واشنطن أنه سلاح سحري.. تعرض لانتقادات واسعة بعد استخدامه بعاصفة الصحراء.. وأوريشنيك الروسي فضح حدود قدراته في ميزان القوة العسكرية
أعاد الاستخدام الروسي لصاروخ أوريشنيك الفرط صوتي ضد أوكرانيا الجدل حول فعالية أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية، وفي مقدمتها صواريخ باتريوت التي طالما روجت لها واشنطن باعتبارها السلاح السحري؛ حيث زودت الولايات المتحدة أوكرانيا بأول بطارية صواريخ "باتريوت سام" في يوليو 2025، ضمن حزمة مساعدات عسكرية تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتقديمها إلى أوكرانيا بقيمة 10 مليارات دولار، وفق جريدة "تليجراف".
ففي عام 1991، شنت الولايات المتحدة حربا تحت لافتة "عاصفة الصحراء"، وخرجت علينا الصحف الأمريكية وقتها بعبارة مجازية شهيرة قائلة: "إذا كان لديك سكود، فأنا لدي باتريوت"، في إشارة إلى أنه إذا كان لدى بغداد أسلحة هجومية مثل صاروخ سكود الباليستية "سوفيتية الصنع"، والتي دخلت الخدمة في الاتحاد السوفيتي السابق عام 1964، فإن لدى واشنطن سلاح دفاعها الصاروخي باتريوت.
لكن يبدو أن الهجوم الأخير الذي شنته روسيا ضد أوكرانيا باستخدام صاروخ أوريشنيك الباليستي فرط الصوتي، والذي يعني اسمه باللغة العربية شجرة البندق، وضع أسطورة باتريوت الأمريكية في اختبار صعب، ما جدد الحديث داخل الأوساط الأمريكية عن جدوى صواريخ باتريوت والتي طالما وصفتها واشنطن بـ"السلاح السحري"، فيما انتقدها آخرون معربين عن شكوكهم في أن أنظمة باتريوت والكيفية التي ستتكامل بها مع سلاح الدفاع الجوي الأوكراني يمكن أن تغير من سير الأحداث على أرض المعركة.
معلومات أمريكية مضللة حول قدرات باتريوت
بحسب تقرير نشره موقع "ميليتاري ووتش"، فإن المعلومات التي ضخمت من قدرات باتريوت خلال حرب الخليج الأولى كانت مضللة في جزء كبير منها، دخل نظام باتريوت الخدمة القتالية لأول مرة خلال حرب الخليج التي شنتها الولايات المتحدة في عام 1991 تحت اسم "عاصفة الصحراء"؛ حيث أفادت اللجنة الفرعية للعمليات الحكومية المعنية بالتشريعات والأمن القومي في مجلس النواب الأميركي في عام 1992 أن نظام صواريخ باتريوت لم يكن ناجحا بالدرجة التي جرى بها تضليل الرأي العام الأمريكي، وأن 45% من أصل 158 صاروخا أطلق من منظومات باتريوت التابعة للجيش الأمريكي خلال حرب الخليج وجهت ضد أهداف وهمية، وسقط معظمها "دون أن يحدث ضررا يذكر في البحر أو في الصحراء".
صاروخ أوريشنيك كشف عجز باتريوت
من جهته، أكد الخبير العسكري في معهد القانون والأمن القومي بالأكاديمية الرئاسية الروسية للاقتصاد الوطني والإدارة العامة ألكسندر ستيبانوف أن منظومة صواريخ أوريشنيك الباليستية فرط الصوتية الروسية كشفت عن ضعف وعجز أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الباليستية الحديثة التابعة لحلف الناتو، بما في ذلك نظام باتريوت الأمريكي الصنع.

ونقلت وكالة "تاس" عن ستيبانوف، اليوم الثلاثاء، قوله: لقد فشلت أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الباليستية الحديثة التابعة لحلف الناتو في اعتراض صاروخ أوريشنيك.
اعتراض صواريخ أوريشنيك شبه مستحيلة
وقال الخبير الروسي: إن "صواريخ "بي إيه سي-3" الاعتراضية المطورة تبلغ سرعتها ما يزيد قليلا عن 6 آلاف كيلو مترا في الساعة، مما يعني أن رأسها الحربي أسرع بأكثر من الضعف من أحدث الصواريخ الموجهة المضادة للطائرات من الشركة المصنعة الرئيسية، وهي المجمع الصناعي العسكري الأمريكي.
يضيف ستيبانوف: سجلت مصادر غربية وأوكرانية محايدة السرعة النهائية للرؤوس الحربية الروسية بنحو 13 ألف كيلو متر في الساعة؛ وهذا، إلى جانب قدرتها على الانفصال والمناورة على مسارات معقدة، يجعل اعتراضها شبه مستحيل بالنسبة للأنظمة الحالية.
وتابع: بدون سد الفجوة التقنية في القدرات فرط الصوتية، فإن أنظمة الدفاع الجوي الصاروخية العاملة لدى دول الناتو غير قادرة على مواجهة الأسلحة الروسية فرط الصوتية بفعالية.
أوريشنيك غير جوهر فيزياء الدفاع الجوي
وبالنسبة للغارة التي استخدمت فيها روسيا صاروخ أوريشنيك على مصنع لفوف الحكومي لإصلاح الطائرات في غرب أوكرانيا ليلة 9 يناير 2026، قال الخبير الروسي: كانت تلك ضربة قاصمة لقدرات القوات الجوية الأوكرانية؛ إذ إن مصنع لفوف كان يتولى إصلاح وصيانة طائرات الجيش الأوكراني، بما في ذلك طائرات إف-16 وميج-29 المقاتلة التي توردها دول غربية.
وكان المصنع ينتج –أيضا- طائرات هجومية بدون طيار بعيدة ومتوسطة المدى تستخدم في شن غارات على منشآت مدنية في عمق الأراضي الروسية؛ وحرم تدمير هذا المركز الصناعي والإصلاحي الحيوي أوكرانيا فعليا من القدرة على تقديم الدعم اللوجستي لما تبقى من القوات الجوية الأوكرانية.

ويخلص الخبير العسكري في معهد القانون والأمن القومي بالأكاديمية الرئاسية الروسية إلى أن الأسلحة فرط الصوتية تغير جوهر فيزياء الدفاع الجوي، ما يمثل تحديا تقنيا معقدا للمجمع الصناعي العسكري الغربي، ويلزمه بتضييق الفجوة في مجالات عديدة، من علوم المواد إلى الإلكترونيات المقاومة لدرجات الحرارة العالية وأنظمة التوجيه.
فيزياء الدفاع الجوي
فيزياء الدفاع الجوي هي مجال علمي وهندسي يجمع بين مبادئ الفيزياء الأساسية وتطبيقاتها التقنية لتطوير أنظمة قادرة على اكتشاف التهديدات الجوية مثل الطائرات، والصواريخ، والمسيرات، وتتبعها وتحييدها.
وتعتمد فيزياء الدفاع الجوي على الرادار، والتحكم الناري والذي يقصد به نظام التحكم في الأسلحة وتوجيهها، والصواريخ، والمدفعية.
سرعة صاروخ أوريشنيك تتجاوز 10 أضعاف سرعة الصوت
وتشير تقارير إعلامية إلى أن سرعة صاروخ أوريشنيك تتجاوز 10 أضعاف سرعة الصوت (ماخ 10)، أي أنه يسير بسرعة تتراوح بين 2.5 إلى 3 كيلومترات في الثانية (نحو 12 ألف و350 كيلو مترا في الساعة).
وتساعده تلك السرعة في التخلص من مراقبة غرف العمليات، وعدم منحها الوقت الكافي لإطلاق صافرات الإنذار؛ كما أن لديه قدرة هائلة على المناورة في الغلاف الجوي، مما يجعل من الصعب –إن لم يكن من المستحيل- التنبؤ بمسار هبوطه؛ ما يعني أن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية مقل باتريوت وثاد –وحتى القباب المتطورة- تصبح خارج الخدمة –بصورة مفاجئة- أمام صواريخ تهاجم من زوايا ميتة وبسرعات خرافية.
في ضوء التطورات الأخيرة، يبدو أن صاروخ أوريشنيك لا يمثل مجرد سلاح جديد، بل مؤشرا على تحول عميق في طبيعة الصراع الجوي وفي فيزياء الدفاع الجوي نفسها، ويضع أنظمة مثل باتريوت أما اختبار وجودي، ويخلق مفاهيم عسكرية متطورة في مواجهة جيل جديد من الأسلحة.