أسئلة اللحظات الصعبة؟!
ما بين تصريحات رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي حول الديون وردود بعض خبراء الاقتصاد والبنوك عليها يظل المواطن قلقًا حائرًا، لا يعرف ماذا يفعل ولا كيف يتصرف ولا متى يطمئن؟! هل ترى الحكومة فعلًا أن عام 2026 هو عام الانفراجة وجني الثمار كما تُلمّح في مؤتمراتها الصحفية؟!
وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكنها أن تقول لنا -بوضوح لا لبس فيه- كيف سنخرج من نفق الديون، وكيف سنتخلص من أقساطها وفوائدها التي تلتهم الشطر، وربما أكثر أرقام الموازنة العامة وموارد الدولة؟
وإذا كانت الفوائد وحدها تبتلع ما يُفترض أن يذهب للتعليم والصحة والإنتاج، فكيف ستفعل الحكومة ذلك بعيدًا عن الحل الأسهل والأخطر: بيع الأصول وزيادة الضرائب؟ وإذا لم يعد بيع الأصول خيارًا مقبولًا وطنيًّا، فماذا ستفعل إذن؟
وإذا لم تكن هناك خطة واضحة وشفافة للخروج من حلقة الديون، فهل يمكن للحكومة أن تصارح الناس بذلك بدل الاكتفاء بوعود مؤجلة؟
وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل يجوز الاستمرار في بيع مصانع الغذاء، وشركات الأسمدة، والبنوك، والموانئ، والأراضي الزراعية، بينما الأزمة بنيوية وليست مؤقتة؟ أليس من المنطقي أن نسأل: لماذا لا يتم تجميد فوري لكل صفقات بيع الأصول الاستراتيجية إلى حين مراجعة برلمانية مستقلة؟
ولماذا لا يُطرح تساؤل بسيط: أليست المصلحة الوطنية العليا كافية لإصدار قرار مؤقت بوقف البيع، بدل التفريط في أصول لا تعوّض؟ ثم ماذا عن الإنتاج؟ كيف يمكن لاقتصادٍ مثقل بالضرائب والرسوم أن يتنفس؟
ولماذا لا نسأل: ألم يحن الوقت لفرض هدنة ضريبية مؤقتة على المصانع والمزارع وشركات التصدير التي تحافظ على العمالة؟ أليس إنقاذ القاعدة الإنتاجية ـ ولو لستة أشهر ـ أَولى من جباية تُضعف ما تبقى منها؟
وفي قلب الصعوبات المالية، سؤال لا يقل إلحاحًا: كيف ستتعامل الحكومة مع إشكالية أذون الخزانة قصيرة الأجل؟ ولماذا لا يُطرح خيار تحويل جزء منها إلى سندات طويلة الأجل عبر تبادل طوعي مع البنوك، يخفف ضغط الاستحقاقات اليومية ويمنح الدولة هامش تنفس بدلًا من اللجوء للحلول السهلة وترك الحلول المؤجلة مهما تكن تكلفتها؟
ثم نصل إلى السيولة.. فهل تصل تلك السيولة إلى القطاع الحقيقي في وقتها المناسب، وهل الأفضل في حالتنا هذه توظيف جانب من أموال البنوك في أذون الخزانة، أم في تمويل الصناعة والزراعة؟
أليس الدور الطبيعي للبنوك أن تنشط في تمويل الإنتاج لا تمويل العجز؟
وإذا كانت الدولة غير قادرة على الاقتراض دون كلفة باهظة، فلماذا لا يُطرح سؤال إنشاء صندوق طوارئ وطني للسيولة، ممول من الاحتياطيات لا من الديون، لتأمين الرواتب الأساسية والسلع الحيوية دون تحميل الأجيال القادمة مزيدًا من الأعباء؟
ثم نصل إلى السؤال المسكوت عنه طويلًا: كيف ومتى يمكن دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي ومتى يتم توحيد ميزانية الدولة؟ أليس من المنطقي أن نسأل: هل العدالة شرط للإصلاح أم عبء عليه؟
وفي الإنفاق العام، سؤال آخر: لماذا يُموَّل مشروع لا يُنتج، ولا يُصدّر، ولا يُشغّل عمالة حقيقية؟
ألا يجدر ربط كل جنيه إنفاق حكومي بمعايير واضحة: إنتاج، تصدير، تشغيل، ومكون محلي؟
أم أن المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في طريقة استخدامها؟
وماذا عن الغذاء والطاقة؟ ألسنا بحاجة إلى خطة طوارئ وطنية تقلل الاستيراد بدل الاستسلام له؟
ولماذا لا يُسأل: لماذا تظل أراضٍ شاسعة بلا استغلال، بينما يمكن تحويلها إلى مشروعات طاقة شمسية وزراعة متكاملة توفر كهرباء وغذاء وفرص عمل؟
وأخيرًا.. إذا كانت الأزمة بهذا الحجم، فهل تكفي اللجان التقليدية؟ أم أن السؤال الحقيقي هو: لماذا لا يتم تشكيل مجلس وطني مستقل للإنقاذ الاقتصادي، يضم خبراء حقيقيين لا مستشارين موسميين، وتكون له سلطة مراجعة السياسات ووقف المسارات غير الموفقة؟
الخلاصة التي تفرض نفسها كسؤال لا مهرب منه: هل مشكلتنا اقتصادية فقط، أم أن جوهرها مؤسسي وفكري وثقافي واجتماعي وسياسي بالأساس؟
ربما تكون الحكومة الجديدة فرصة أخيرة. لكن السؤال الحاسم يظل: هل نملك شجاعة التوقف، والمراجعة، واستعادة الثقة.. أم نواصل السير حتى نقطة اللاعودة؟ لأن الوقت لم يعد رفاهية، وكل يوم تأخير ليس رقمًا في بيان.. بل مصنع يُغلق، ودين يتراكم، وأمل يتآكل. كل ذلك يؤكد أن الحكومة فقدت صلاحيتها ولم يعد لديها جديد تقدمه.. والأمل كل الأمل في الحكومة المقبلة والبرلمان الجديد.