مسيرة الـ 1000 كيلومتر، لماذا اختار المسيح أرض مصر؟
في فجر التاريخ المسيحي، وبينما كانت أورشليم تضطرب تحت وطأة مخاوف الملك "هيرودس" من نبوءة مولد "ملك اليهود"، انطلقت رحلة لم تكن مجرد هروب من سيف طاغية، بل كانت مسارا مقدسا رسمته العناية الإلهية ليربط بين مهد الرسالة وأرض الكنانة.
لم يكن خروج العائلة المقدسة —الطفل يسوع، والعذراء مريم، والقديس يوسف النجار— مجرد نجاة بالجسد، بل كان تقديسا وتدشينا لمرحلة جديدة في تاريخ البشرية، جعلت من مصر "الوطن الثاني" للمسيح.
حكمة الهروب
يطرح التساؤل اللاهوتي والمنطقي نفسه، كيف يهرب "الإله المتجسد" أمام تهديد بشر؟ هنا تبرز الفلسفة الروحية العميقة التي أراد السيد المسيح تعليمها للبشرية، فالهروب لم يكن عجزا أو خوفا، بل كان "حكمة" وصياغة لمنهج "المقاومة بالسلام". لقد أراد الطفل يسوع أن يقدم "وسيلة إيضاح" حية، مفادها أن الصديق حين يبصر الشر يتوارى ليفوت الفرصة على العنف، مؤكدا مبدا إنجيليا راسخا "لا يغلبنك الشر بل أغلب بالخير".
لقد واجه المسيح الشيطان في معقله الأكبر آنذاك —الأوثان— وبددها بحضوره الهادئ، مبينا أن قوة الله تظهر في الضعف الإنساني، وأن الهروب من المواجهة الدموية هو قمة الانتصار الروحي.
سر اختيار مصر
لم تكن مصر مجرد وجهة جغرافية قريبة، بل كانت اختيارا محملا بالرموز والنبوءات. فمصر في العهد القديم كانت تشير تارة إلى العبودية بفرعونها، وتارة إلى الخير والترف بخصوبة نيلها. وبمجيء المسيح إليها، أراد أن يقلب الموازين؛ ليجعل من أرض "الأمم" مذبحًا مقدسًا له، محققًا نبوءة إشعياء النبي: "هوذا الرب راكب على سحابة خفيفة سريعة وقادم إلى أرض مصر، فترتجف أوثان مصر من جهته".
لقد كانت مصر دائمًا هي "المطعم" وقت الجوع و"الملجأ" وقت الضيق؛ زارها إبراهيم أبو الآباء، وعاش فيها يوسف الصديق مستبقيًا حياة للشعوب، وتربى فيها موسى النبي. لذا، جاء المسيح ليتوج هذا التاريخ الحافل، ويحول مصر من "دار تغرّب" إلى "منارة إيمان" في قلب العالم.
مسيرة الـ 1000 كيلومتر
اجتازت العائلة المقدسة دروبا وعرة، قاطعة مسافة تزيد على 1033 كيلومترًا من بيت لحم حتى عمق الصعيد المصري. بدأت الرحلة من "الفرما" بالعريش، ثم "تل بسطة" بالزقازيق، حيث بدأت الأوثان تتساقط أمام جلال الطفل يسوع. وفي "سخا" بكفر الشيخ، ترك المسيح أثرًا لا يُمحى، حيث انطبعت قدمه الشريفة على حجر، صار مزارًا يُعرف بـ "بيني ايسوس".
استمرت المسيرة عبر وادي النطرون، ثم المطرية حيث استظلت العائلة بـ "شجرة مريم" وشربت من بئر باركه المسيح، وصولًا إلى "حصن بابليون" في مصر القديمة، حيث احتمت العائلة في مغارة كنيسة "أبي سرجة". لم تتوقف الرحلة عند هذا الحد، بل اتجهت جنوبًا لتستقر فوق صخرة "جبل الطير" بسمالوط، وانتهت في "جبل قسقام" بأسيوط، حيث أقاموا في "الدير المحرق" لأكثر من ستة أشهر، وهو المكان الذي صار يُلقب بـ "أورشليم الثانية".
السلام الذي غلب السيف
انتهت رحلة الهروب بموت هيرودس واختفاء شره من صفحات التاريخ، بينما بقيت آثار أقدام العائلة المقدسة في مصر منارة للسلام والمحبة. لقد أسس المسيح في مصر منهجًا لا يعترف بالانتقام، بل بـ "إعطاء مكان للغضب" والاتكال على عدل السماء. اليوم، تظل مصر فخورة بأنها الأرض التي آوت "ملك السلام"، وأن نيلها ارتوى ببركته، لتظل نبوءة الكتاب المقدس محفورة في وجدان المصريين "مبارك شعبي مصر".