محمود أمين العالم، المثقف الذي أعاد رسم علاقة المفكر بالسلطة
في مثل هذا اليوم من عام 2009، رحل محمود أمين العالم، المفكر والناقد، وأحد أبرز رموز اليسار الثقافي في مصر والعالم العربي، والذي شكل حضوره علامة فارقة في مسار الفكر النقدي العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، سواء عبر كتاباته النظرية أو معاركه الفكرية والسياسية.
من هو محمود أمين العالم؟
ولد محمود أمين العالم عام 1922 في محافظة الدقهلية، ونشأ في بيئة ريفية أتاحت له الاحتكاك المبكر بالواقع الاجتماعي المصري، قبل أن ينتقل إلى القاهرة، حيث التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة، وبدأ مبكرًا اهتمامه بالفلسفة والفكر الماركسي، متأثرًا بالسياق العالمي لصعود الأفكار الاشتراكية وحركات التحرر الوطني.
وبرز «العالم» في خمسينيات القرن الماضي كأحد مؤسسي تيار الواقعية الاشتراكية في النقد الأدبي العربي، وارتبط اسمه بكتاب «في الثقافة المصرية» الذي شارك في تأليفه مع عبد العظيم أنيس، وهو العمل الذي أثار جدلًا واسعًا آنذاك بسبب ربطه الإبداع الأدبي بالبنية الاجتماعية والاقتصادية، ورفضه الفصل بين الأدب والواقع، وهذا الطرح وضعه في صدام مباشر مع التيارات الليبرالية والتقليدية داخل الوسط الثقافي.
سياسيًا دفع محمود أمين العالم ثمن انخراطه الفكري والتنظيمي في الحركة اليسارية، حيث تعرض للاعتقال أكثر من مرة، أبرزها خلال حملات الاعتقال الواسعة ضد الشيوعيين في عهد جمال عبد الناصر أواخر الخمسينيات، إلا أن خروجه من السجن لم ينه حضوره، بل زاده رسوخًا، إذ واصل الكتابة والتنظير، وشارك لاحقًا في الحياة الثقافية الرسمية، متقلدًا مناصب ثقافية وإعلامية داخل مصر وخارجها.
على المستوى العربي، لعب محمود أمين العالم دورًا مؤثرًا في تطوير النقد الماركسي، وساهم في نقاشات كبرى حول علاقة المثقف بالسلطة، وحدود الالتزام السياسي، وإشكالية الحرية والإبداع، ومع التحولات الكبرى التي شهدها العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أعاد النظر في كثير من المسلَّمات الأيديولوجية، دون أن يتخلّى عن انحيازه الاجتماعي للفقراء والمهمشين.
وتوفي محمود أمين العالم في 8 يناير 2009 عن عمر ناهز 86 عامًا، بعد مسيرة فكرية طويلة اتسمت بالصدام والحوار والمراجعة، ورغم مرور سنوات على رحيله، لا يزال إرثه حاضرًا في النقاشات الثقافية العربية، بوصفه نموذجًا للمثقف الذي لم يفصل يومًا بين الفكر والواقع، ولا بين النقد والسؤال الأخلاقي.