فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

أفضل خمسة أطباء!

في عالمٍ يرهق الإنسان بكثرة ما يفرضه عليه من ضغوط وتسارع، يبقى الجسد أصدق مرآة لما نمنحه من عناية أو إهمال. فالعافية ليست طارئة تُستدعى عند المرض، بل أسلوب حياة يبدأ من انسجام الإنسان مع ما سُخِّر له في هذا الكون. 

حين يتعرض الجسد لنور الشمس في اعتدال، لا يستقبل مجرد ضياء، بل يستقبل نعمة جعلها الله سببًا للحياة والانتظام، إذ يقول سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾، فهي نور ودفء ونظام، بها تستقيم ساعات الجسد، ويهدأ اضطرابه، وكأنها تذكير يومي بأن للكون إيقاعًا لا يصح تجاوزه.

ومع الحركة يعود الجسد إلى فطرته الأولى؛ فالمشي ليس جهدًا زائدًا، بل عودة إلى سنة الخلق. وكل خطوة تُحرّك الدم في عروقه، وتفتح للرئتين أبواب الهواء، وتمنح العقل فرصة للسكينة، وقد لفت القرآن إلى قيمة الحركة والسير في الأرض، لا بوصفه انتقالًا فحسب، بل حياة واكتشافًا: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، فالسير حياة، والسكون الطويل وهن مستتر.

ثم يأتي الماء، أصل كل حي، وسر التوازن الخفي في الجسد. به تلين الأعضاء، وتصفو الخلايا، وتستعيد الأجهزة قدرتها على العمل دون عناء. وقد قرر القرآن هذه الحقيقة الكونية في عبارة جامعة لا تقبل الجدل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، وكأن كل رشفة ماء هي استجابة فطرية لنداء الحياة في داخل الإنسان.


لكن الصحة ليست إضافة دائمة، بل حذفٌ حكيم أيضًا. فالإفراط في السكريات يربك الجسد ويثقله، ويكسر ميزان الاعتدال الذي جعله الله أساسًا لكل نعمة. وقد جاءت القاعدة القرآنية واضحة مانعة للتجاوز: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾، فالإسراف ليس في الكثرة وحدها، بل في كل ما يضر ولو بدا مستساغًا.


ويبقى سلام الصدر تاج هذه النعم كلها، وأصل الصحة العميقة التي لا تُقاس بالأرقام. فالقلب المثقل بالغلّ يمرض قبل الجسد، والنفس المشحونة بالحقد تستنزف طاقة الإنسان من حيث لا يشعر. 

وقد جعل القرآن نقاء الصدر علامة على صفاء الإيمان، ودعاءً لأهل القلوب الحية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾، وعلّم المؤمنين أن يسألوا الله سلامة قلوبهم قبل كل شيء: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. فسلام الصدر ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل درع وقائي، به تهدأ الأعصاب، وتقوى المناعة، ويستقيم الجسد تبعًا لاستقامة الداخل.

هكذا تتكامل العافية في نورٍ من السماء، وحركةٍ في الأرض، وماءٍ يحيي، واعتدالٍ يحمي، وقلبٍ سليم. ومن أدرك أن الصحة تبدأ من الداخل قبل الخارج، عاش في جسدٍ مطمئن، ونفسٍ راضية، وعلاقة متوازنة مع سنن الله في الكون والحياة.