مش كل حاجة بتتشاف
على الطريق الصحراوي كانت الدنيا ليل والطريق سالك ومفتوح زيادة عن اللزوم، والليل مالي المكان، كأنه بيفرد نفسه على الأسفلت. وقتها كان ماشي بالعربية، والنور قدّامها ثابت، والسواق كان مركز وساكت، جايز وقتها كان تعبان أكتر ما هو نعسان.
مكانش مستني حاجة تحصل، ولا حاسس بخطر، بس كان فيه إحساس غريب بالتقل، إحساس إن الطريق أطول من المعتاد، وإن السواقة محتاجة تركيز أكتر من الطبيعي. وفي لحظة، ومن غير صوت ولا علامة، حس بحاجة عدّت جوة روحه قبل ما تعدّي قدامه. إحساس خفيف، مالوش تفسير، بس كان جامد كفاية إنه يخليه يشد الفرامل فجأة.
العربية وقفت، وصوت الكاوتش كأنه خلى السكوت يختفي من الطريق، نزل وقتها من العربية وهو متضايق، بص قدامه وتحت رجليه، دور بعينيه في الضلمة، لكن مفيش حاجة باينة. لا حفرة، ولا حجر، ولا حد في الطريق. قال في نفسه إن التعب أكيد لعب في دماغه، وإنه لازم يكمّل.
وهو راجع يركب، لمح حاجة صغيرة على جنب الطريق، حاجة مكانتش واضحة من بعيد. قرب خطوة خطوة، لحد ما شافها. قطة صغيرة، لونها غامق، واقفة في نص الضلمة، عينها مقفولة، جسمها ساكن كأنها مستسلمة. لو كان كمّل ثانيتين كمان، مكانش هيشوفها، ولا هيقف، ولا يفكر.
شالها بهدوء، وحطها بعيد عن الطريق. القطة فتحت عينها، بصت له لحظة قصيرة، كأنها بتفهم اللي حصل، وبعدين جريت واختفت. مفيش صوت، ولا أثر، ولا حاجة تفضل تفكره بيها غير الإحساس اللي جواه.
رجع العربية، بس قلبه مكانش زي الأول. كمل الطريق أهدى، رجله خفّت على البنزين، وعينه بقت شايفة أكتر من نور العربية. بعد مسافة مش طويلة، لمح نور غريب قدامه. عربية مقلوبة، إسعاف واقفة، وناس متجمعة. وقف بعيد، ونزل يبص من غير ما يقرب. قلبه دق جامد وهو بيتخيل المسافة والزمن، والثواني اللي كان ممكن يكون فيها هو في المكان ده.
ركب تاني، والطريق بقى مختلف. مكانش بس أسفلت ونور، كان مليان أسئلة. ليه وقف؟ ليه حس؟ ليه اتأخر؟ مكانش شايف الخطر، بس اتحذر. مكنش فاهم اللي حصل، بس اتحمى. قال بصوت واطي وهو سايق، كأنه بيكلم نفسه أو بيكلم حد سامعه كويس: أنا ماشفتش، بس واضح إن ربنا شاف عني.
لما وصل البيت، قعد شوية في الضلمة، لا شغل نور ولا فتح تليفزيون. فضل قاعد، بيفتكر الطريق، والإحساس، والوقفة المفاجئة. وساعتها جت في باله الآية اللي كان سامعها زمان، وعدت عليه كتير من غير ما يقف عندها: "أحاط به ولاحظه وصانه كحدقة عينه." حس إنها المرة الأولى اللي يفهمها من غير شرح.
فهم إن الحماية مش دايمًا بتبان، ولا لازم تبقى معجزة واضحة. ساعات تبقى في إحساس بسيط، في تأخير محسوب، في حاجة شكلها عطل أو تعطيل، وهي في الحقيقة ستر. زي العين بالظبط، مابتحسش بنفسها، بس أول ما الخطر يقرب، تتقفل لوحدها، من غير تفكير ولا صوت.
إحنا كتير بنعدّي من مواقف ونقول عدّت على خير، من غير ما نعرف كان في إيه ممكن يحصل. بنفتكر إن اللي شفناه هو كل الحكاية، مع إن في حاجات كتير اتحجبت، واتشالت من الطريق قبل ما توصل لنا.
يمكن مش فاكر اللحظة، ولا واخد بالك من الوقفة، ولا حاسس بالحماية، بس طول ما إنت ماشي ولسه بتتنفس، اعرف إن في إيد محاوطاك، وعين سهرانة عليك، وقلب إلهي بيصونك.. حتى من الحاجات اللي عمرك ماشفتها.